التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٣ - أدلة حديثة على وجود الروح
وأخيرا فإنّ ظاهرة التذكّر ليست سوى إعادة لإدراك أمر سابق، كان موجودا وهو مستمرّ، وليس إدراكا لشيء جديد، وإن كان نفس الإدراك جديدا.
إنّنا عندما نتذكّر شيئا نجده عين ماوجدناه سابقا، ومحفوظا في خزانة الذهن، من غير ما تفاوت أو تغيير، فلو كان قائما بغير النفس، أي بأجزاء هذا الجسم العنصري، لكان هذا المدرك- بالفتح- ثانيا غير المدرك أوّلًا، إذ لاشيء في الجسم إلّا وهو آخذ في التبدّل والتغيّر لفترة محدودة، ولاسيّما إذا كان التذكّر بعد أمد طويل.
فإمّا أن نخطّئ ذاكرتنا- التي حكمت بالعينيّة- أو نسلّم بلاماديّة ظاهرة الإدراك والتذكّر، الأمر الذي يجعل الأخير هوالصحيح، حيث كانت بداهة الوجدان هي المحكّمة في هذا الرفض أو القبول.
أدلّة حديثة على وجود الروح
أمّا الفلسفة الحديثة فأخذت من التعمّق في علم الفزيولوجيا «علم وظائف الأعضاء»، براهين جلية على صحّة وجود النفس وتمييزها عن الدماغ ووظيفته:
أوّلًا: إنّ الأعصاب المنتشرة على سطح الجسم لاتؤثّر فيها العوامل الخارجيّة على حدّ سواء، بل يقتضي لها مؤثّرات معيّنة لاهتزاز الألياف الدقيقة المؤلّفة منها. مثلًا انّ التأثيرات النظريّة لافعل لها في عصب السمع و بالعكس. فإذا اتّخذنا مثلًا حاسة البصر موضوعا لبحثنا نرى أنّ الحركة التموّجيّة في الأثير، بتأثيرها في شبكة العين، تحدث اهتزازا في العصب البصري، وهذا الاهتزاز يمتدّ إلى الطبقة البصريّة المستقرّة في وسط الدماغ ومن هناك يندفع إلى مركز الحواس، حيث ينتشر في القلالي الدقيقة، ويوقظ الخلايا العصبيّة المتعلّقة بالتأثيرات البصرية. وعليه فكلّ نوع من التأثيرات الحسيّة تتفرّق ثمّ تتجمّع في مكان مخصوص من الدماغ وقد أثبت التشريح وجود أماكن معيّنة في الدماغ، ونواح محدودة يتجمّع فيها ويتكاثف ويتحوّل ماتنقله إليها الحواس من التأثيرات الخارجيّة. وقد قام علماء الفزيولوجيا ببعض امتحانات على الحيوانات الحيّة،