التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٢ - ٣ - الإنسان وظاهرة الإدراك
وبهذا تعلّل ظاهرتي «التذكّر» و «الغفلة»!
لكنّا نتساءل: إذا كانت هذه الصّور تبدو وتخفى، فتجاه أي شيء تبدو، وعن أي شيء تخفى؟ وهذه المقابلة بين أي شيء وشيء؟ وبعبارة أُخرى إنّ هذه الصور تتجلّى. لكنّها لمن تتجلّى؟ ومَن المواجه له؟ لاشك أنّ المواجهة أمر قائم بجانبين، فإذا كانت الصّور المنطبعة تشكّل جانبا من هذه المواجهة، فأين الجانب الآخر المواجه له؟ نعم إنَّ الصّور المنطبعة على جزيئات المخّ تتجلّى أمام النفس، فالنفس شيء، وهذه الجزيئات شيء آخر. فالنفس وهو وجود الإنسان الباطن هوالذي يشكّل الجانب الآخر من هذه المواجهة النفسيّة، والنفس هي التي تدرك تلكم الصّور متى تذكّرتها، وهو إدراك متجدّد وإن شئت فسمّه التذكّر.
إنَّ جزيئات المخّ أفلام تنعكس صورها على صفحة النفس الواسعة عند التذكّر، وعندما تتّجه النفس إلى ماخزنتها في آلة الإدراك. وبذلك تتحقّق تلك المقابلة والمواجهة القائمة بطرفين.
فالصحيح: إنّ ظاهرة الإدراك والتذكّر، ظاهرة نفسيّة، تقوم بنفس الإنسان، وهو وجود الباطن «الروح» ومن ثمّ لاتوجد فيها خصائص المادّة إطلاقا، فلا محدوديّة ولاتزاحم أبدا.
وأيضا فإن الإدراك حكم للنفس: هذا ذاك أو ذاك هذا. و هذا يدلّنا على أمرين:
الأوّل: إنّ وراء هذه الصّور المنتقشة على صفحة الضمير، وجودا آخر هوالذي يحكم عليها بأنّ هذا ذاك أو ذاك هذا، وليس سوى النفس التي تحكم بذلك.
الأمر الثاني: إنّ الحكم ذاته بما أنّه غير مادّي- لعدم وجود خواصّ المادّة فيه إطلاقا- فإنّ الحاكم بذلك- وهو النفس- أيضا غيرمادّي، بالمعنى المعروف للمادّة. وذلك اقتضاء للسنخيّة بين الأثر- وهو الحكم- والمؤثّر- وهو الحاكم.
كما أنّ الإدراك يتعلّق بأُمور كلّيّة هي ثابتة في صقع النفس لاتتغيّر ولاتتجدّد، الأمر الذي يتنافى وظاهرة التغيّر والتجدّد المستمرّين في جميع جزيئات الجسم بصورة عامّة.