التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨١ - ٣ - الإنسان وظاهرة الإدراك
وبكلمة جامعة: الإنسان يعرف، والمعرفة في كيان الإنسان ظاهرة غير ماديّة، في حين أنّ اللاماديّ لايقوم بماديّ، فأين محلّها من وجود الإنسان؟
ونتيجة على ذلك نعترف- بالضرورة من بديهة العقل- أنّ وراء وجود هذا الإنسان الجسدي الظاهر، وجودا آخر لامادّي، هو «النفس» الذي تقوم به ظاهرة الإدراك، ومجال النفس أوسع من المادّة بنسبة فائقة.
وتوضيحا لهذا الجانب النفسي من ظاهرة الإدراك نقول:
قد تنعكس في ذهنية الإنسان- عندما يواجه منظرا طبيعيا- صورة منطبقة مع الواقع تمام الانطباق في جميع أبعادها وسماتها، من حركة ولون وزهور وأشجار، وجبال وأنهار، وأبعاد وأغوار. وتتجلّى هذه الصورة بنفس الأبعاد والسمات كلّما تذكّرها، فيجدها حاضرة نفسه على مقاييسها الأُولى ... تلك ظاهرة التذكّر، فياترى أين محلّها الذي تقوم به؟
وثانية نقول: الإنسان يجد صورة المنظر كلّما تذكّرها بنفس الأبعاد والمقاييس والحركات والألوان، كأنّه يشاهدها الآن، صورة طبق الواقع تماما، إنّ هذه الصفحة التي تقع عليها هذه الصورة، وتسمّى بصفحة الذهن صفحة ذات أبعاد توازي نفس أبعاد المنظر، حسبما يجدها الإنسان حاضرة نفسه الآن. أين تقع هذه الصفحة المتّسعة من وجود الإنسان؟
إنّ جزيئات المخ، تنطبع عليها صور المحسوسات، لكنّها في غاية الصغر. لاتتناسب والأبعاد التي يجدها الإنسان عند التذكّر.
إنّنا لاننكر وجود جزيئات مخيّة تحتفظ في نفسها صور المشاهدات، لكن ذلك وحده ليس إدراكا ولاتذكّرا لأنّ هذه الصّور موجودة، وهي مستمرّة في وجودها حتى مع الغفلة، وتتجلّى مع التذكّر وعند التفات النفس. وهو إدراك متجدّد للصورة بعد أن كان إدراكا لذات الصورة.
لعلّك تقول، إنّ تلك الصّور المنطبعة على جزيئات المخّ قد تبدو للنفس وقد تخفى