التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٢ - الوحي الرسالي
بخلق الصوت في الهواء بما يقرع مسامع النبيّ صلى الله عليه و آله[١] ولايرى شخص المتكلّم ومن ثَمَّ شُبّه بمن يتكلّم من وراء حجاب. والثالثة: إرسال ملك الوحي فيبلّغه إلى النبيّ، إمّا عيانا يراه، أو لايراه ولكن يستمع إلى رسالته.
إذن، فالفارق بين الوحي الرسالي و سائر الإيحاءات المعروفة هو جانب مصدره الغيبي اتّصالًا بما وراءَ المادّة. فهو إيحاء من عالَمٍ فوق، الأمر الذي دعا باولئك الذين لايروقهم الاعتراف بما سوى هذا الإحساس المادّي أن يجعلوا من الوحي الرسالي سبيله إلى الإنكار، أو تأويله إلى وجدانٍ باطني ينتشي من عبقرية واجده، و سنبحث عن ذلك في فصل قادم إن شاء اللّه.
ملحوظة: بما أنّ الوحي ظاهرة روحية فإنّه بأيّ أقسامه إنّما كان مهبطه قلبه الشريف (شخصيّته الباطنة: الروح) سواء أكان وحيا مباشريا من اللّه أم بواسطة جبرائيل. قال تعالى: «فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ».[٢] «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرينَ»[٣] والقلب هو لبّ الشيء وحقيقته الأصيلة.
قال سيّدنا الطباطبائي: «وهذا إشارة إلى كيفيّة تلقّيه صلى الله عليه و آله القرآن النازل عليه، وأنّ الذي كان يتلقّاه من الروح هي نفسه الكريمة من غير مشاركة الحواسّ الظاهرة التي هي أدوات لإدراكات جزئيّة خارجيّة ... فكان صلى الله عليه و آله يرى شخص الملك ويسمع صوت الوحي، لكن لابهذه السمع والبصر المادّيتين، وإلّا لكان أمرا مشتركا بينه وبين غيره، ولم يكن يسمع أو يبصر هو دون غيره. فكان يأخذه برحاء الوحي وهو بين الناس فيوحى إليه ولايشعر الآخرون الحاضرون ...».[٤]
اللّهم سوى ماورد بشأن مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام، كان يرى مايراه النبيّ ويسمع ما
[١] - لكن لا بهذه الاذن المادّيّة وإلّا لَسمعه الآخرون أيضا، بل بذلك السمع الّذي يخصّ باطنه، قال تعالى:« فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ»، البقرة ٩٧: ٢.
[٢] - البقرة ٩٧: ٢.
[٣] - الشعراء ١٩٣: ٢٦- ١٩٤.
[٤] - تفسير الميزان، ج ١٥، ص ٣٤٦. برحاء الوحي: شدّة ألمه والإحساس بكربه.