التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠ - دفع التباس وشبهة
منه آيات محكمات واخر متشابهات
قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ...».[١]
وهكذا نجد في القرآن آيات محكمة بيّنة المراد ممّا يعود إلى بيان التكاليف والأحكام والمواعظ والآداب وماشابه، في وفرة وفيرة تعمّ أكثريّة الآيات الغالبة، وهنّ أُمّ الكتاب أي مراجع الأُمّة لمعرفة الحلال والحرام والسنن والأخلاق.
واخر متشابهة المراد في عدد قليل ممّا يعود إلى اصول المعارف والمبدأ والمعاد ممّا يخفى كنه المراد لغير المتعمّقين ... في مثل قوله تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ».[٢] فقد يخفى وجه الشبه في الآية في دقّته وظرافته، سوى معرفة الظاهرمن أنّه تعالى منوّر السماوات و الأرض، الأمر الذي تفهمه العامّة من ظاهر الآية وتقتنع به. أمّا الخاصّة فيعرفون وجه الشبه في خفاء الكنه وكونه تعالى- كالنور- قائما بذاته ومتنوّرا وفي نفس الوقت منوّرا لغيره، على ما أوضح بيانه الفيلسوف ابن رشد الأندلسي.[٣]
والعمدة أنّ الآيات المتشابهة أيضا ظاهرة المراد في ظاهر تعبيرها لدى العامة و من ثمّ يقتنعون بها ولايرون فيها غموضا، وإن كانت الدقائق والظرائف التي تحتويها الآية خافية على غير أهل الدقة والعلم والمعرفة.
فقد أصبحت الآيات القرآنية حسب ظواهر تعابيرها كلّها بيّنة لائحة على العامّة، وإن كانت في باطن خباياها خفيّة على غير ذوي الاختصاص من الراسخين في العلم فلم يعد شيء من الآيات باقية في طيّ الغموض أو التعقيد بصورة الإطلاق.
دفع التباس وشبهة
هناك قد يتساءل البعض عن مواقف العامّة بل الخاصّة تجاه لغة الوحي، وهي لغة الملأ الأعلى التي لاتتسانخ مع لغة أهل الأرض حسب مصطلحاتهم وأعرافهم. فما هي إلّا
[١] - آلعمران ٧: ٣.
[٢] - النور ٣٥: ٢٤.
[٣] - الكشف عن مناهج الأدلة، ص ٨٩- ١٠٧؛ وراجع: الجزء الثالث من التمهيد« لماذا في القرآن متشابه».