التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣ - ٣ - مراعاة الروي
وهي لطيفة بديعة تحسن في الخطاب لاثبت الكتاب!
وهذا نظير ماحكاه سبحانه عن عزيز مصر، خطابا مع يوسف ويلتفت لفوره إلى امرأته يؤنّبها: «يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا. وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ».[١] الأمر الذي يصحّ حال المواجهة بالكلام شفاها لا غير.
وفي سورة الحمد، تبتديء بتمجيد اللّه سبحانه غيابا، ثُمَّ يتحوّل الكلام إلى مسائلته تعالى خطابا. وهو من بديع الالتفات بيّنّاه في التفسير.
وفي سورة عبس تبتديء بالعتاب غيابا «عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى». ثمّ مواجهةً خطابا مع الرسول «وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ...».[٢]
وفي سورة الأنفال: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ. قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ». كلام عن المؤمنين غيابا في خطاب مع النبيّ. وفجأة يتوجّه الخطاب مع المؤمنين: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ...».[٣] وما ذلك إلّا لكونه في صياغة خطاب.
وفي سورة الأعراف: «يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً. ذلِكَ خَيْرٌ، ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» نراه تعالى يواجه بنيآدم في الخطاب معهم مشافهةً ويكتمل كلامه وكأنّه يتكلّم عن غائبين. ثُمَّ يكرّ عليهم راجعا ليخاطبهم بقوله: «يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ...».[٤]
كان الخطاب أوّلًا مع بنيآدم بالمواجهة. ثُمَّ صُرف الكلام إلى بيان الحكمة من غير مواجهة لأحد. ثُمَّ رجع إلى ما كان عليه أوّلًا من الوعظ والإرشاد والتحذير والإنذار.
٣- مراعاة الرويّ
من مزايا السجع في الكلام مراعاة الرويّ إذا لوحظ منطوقا لا مكتوبا. وفي القرآن كثير من التسجيع على حساب النطق بالكلام لاثبته محض كتاب.
[١] - يوسف ٢٩: ١٢.
[٢] - عبس ١: ٨٠- ٣.
[٣] - الأنفال ١: ٨.
[٤] - الأعراف ٢٦: ٧- ٢٧.