التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٢ - القرآن في أطوار الإناقة والتجويد
القرآن في أطوار الإناقة والتجويد
لم يزل القرآن- منذ الصدر الأوّل- في طور التجويد والتحسين، لاسيّما في ناحية كتابته وتجميل خطّه من جميل إلى أجمل. وقد أسهم الخطّاطون الكبار في تجويد خطّ المصاحف وتحسين كتابتها.
وأوّل من تنوّق في كتابة المصاحف وتجويد خطّها، هو خالدبن أبي الهياج- صاحب أميرالمؤمنين علي عليهالسلام- (ت حدود ١٠٠) وكان مشهورا بجمال خطّة وإناقة ذوقه. ويقال إنّ سعدا- مولى الوليد وحاجبه- اختاره لكتابة المصاحف والشعر والأخبار للوليد بن عبدالملك (٨٦- ٩٦) فكان هو الذي خطّ قبلة المسجد النبويّ بالمدينة بالذهب من سورة الشمس إلى آخر القرآن. وكان قد جدّد بناءه وأوسعه عمر بنعبدالعزيز واليا على المدينة من قبل الوليد وبأمر منه، وفرغ من بنائه سنة ٩٠.[١]
وطلب إليه عمر بن عبدالعزيز أن يكتب له مصحفا على هذا المثال فكتب له مصحفا تنوّق فيه، فأقبل عمر يقلّبه ويستحسنه، ولكنّه استكثر من ثمنه فردّه عليه. والظاهر أنّ ذلك كان أيام خلافته (٩٩- ١٠١) التي كان قد تزهّد فيها.
قال محمد بن إسحاق- ابن النديم-: رأيت مصحفا بخطّ خالدبن أبي الهياج، صاحب علي عليهالسلام وكان في مجموعة خطوط أثريّة عند محمد بن الحسين المعروف بابن أبي بعرة، ثمّ صار إلى أبي عبداللّه بنحاني قدسسره.[٢]
وقد ظلّ الخطّاطون يكتبون المصاحف بالخطّ الكوفيّ، حتى أواخر القرن الثالث الهجري، ثمّ حلّ محله خطّ النسخ الجميل في أوائل القرن الرابع، على يد الخطّاط الشهير محمد بنعلي بنالحسين بنمقلة (٢٧٢- ٣٢٨).
قيل: إنّه أوّل من كتب خطّ الثلث والنسخ، وأوّل من هندس الحروف- إذ كان بارعا
[١] - تاريخ اليعقوبي، ج ٣، ص ٣٠ و ٣٦.
[٢] - الفهرست لابن النديم، الفنّ الأوّل من المقالة الأُولى، ص ١٥. والفنّ الأوّل من المقالة الثانية، ص ٦٦- ٦٧.