التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٢ - مخالفات في رسم الخط
المنطوق به تماما، ليكون الخطّ مقياسا للفظ من غير زيادة عليه أو نقصان.
غير أنّ أساليب الإنشاء والكتابة تختلف عن هذه القاعدة بكثير. ولكن لابأس بذلك مادام الاصطلاح العامّ جاريا عليه، فلايسبّب اشتباها أو التباسا في المراد.
هذا ... ورسم الخطّ في المصحف الشريف تخلّف حتى عن المصطلح العامّ. ففيه الكثير من الأخطاء الإملائيّة وتناقضات في رسم الكلمات، بحيث إذا لم يكن سماع وتواتر في قراءة القرآن، ولايزال المسلمون يتوارثونها جيلا بعد جيل في دقّة وعناية بالغة، لأصبح قراءة كثير من كلمات القرآن، قراءة صحيحة، مستحيلة.
ويرجع السبب- كما تقدّم- إلى عدم اضطلاع العرب بفنون الخطّ وأساليب الكتابة ذلك العهد. بل ولم يكونوا يعرفون الكتابة غيرعدد قليل، خطّا بدائيّا رديئا للغاية. كمايبدو على خطوط باقية من الصدر الأوّل.[١]
كما ويبدو أنّ الذين انتدبهم عثمان لكتابة المصحف كانوا غاية في رداءة الخطّ وجهلاء بأساليب الكتابة، حتى ولو كانت بدائية آنذاك.
يحدّثنا ابن أبيداود- كما سبق-: أنّهم بعد ما أكملوا نسخ المصاحف، رفعوا إلى عثمان مصحفا فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى فيه شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها. ثمّ قال: أما لوكان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا.[٢]
يبدو من هذه الرواية أنّ عثمان كان يعلم من هذيل معرفتها باسلوب الإنشاء ذلك الوقت، ومن ثقيف حسن كتابتها وجودة خطّها. الأمر الذي فقده في المصحف الذي رفع إليه. ومن ثمّ يؤخذ عليه انتدابه الأوّل الذي تمّ من غير دقّة ولاعناية!
وروى الثعلبي في تفسيره- عند قوله تعالى: «إِنْ هذانِ لَساحِرانِ»[٣]- أنّ عثمان قال:
[١] - راجع: مقدّمة ابنخلدون، ص ٤١٩ و ٤٣٨.
[٢] - المصاحف، ص ٣٢- ٣٣.
[٣] - طه ٦٣: ٢٠.