التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٨ - أول من شكل المصحف
للمفعول. أمّا الرجل الأعجميّ فكان يشتبه عليه قراءتها معلومة أو مجهولة.
كما أنّ أبا أسود سمع قارئا يقرأ: «أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ»[١]- بكسر اللام- فقال: ماظننت أنّ أمر الناس آل إلى هذا، فرجع إلى زيادبن أبيه- وكان واليا على الكوفة (٥٠- ٥٣) وكان قد طلب إليه أن يصنع شيئا يكون للناس إماما، ويعرف به كتاب اللّه، فاستعفاه أبوالأسود، حتى سمع بنفسه هذا اللحن- في كلام اللّه- فعند ذلك عزم على إنجاز ماطلبه زياد[٢] فقال: أفعل ما أمر به الأمير، فليبغ لي كاتبا مجيدا يفعل ما أقول. فأتوه بكاتب من عبد قيس فلم يرضه، فأتوه بآخر وكان واعيا فاستحسنه.
قال أبوالأسود للكاتب: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه من أعلاه. وإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف[٣] وفي لفظ ابن عياض: زيادة قوله: فإذا أتبعت ذلك غنّة فاجعل النقطة نقطتين ففعل.[٤]
وظلّ الناس بعد ذلك يستعملون هذه النقط علائم للحركات، غير أنّهم- في الأغلب- كانوا يكتبونها بلون غير لون خطّ المصحف. والأكثر يكتبونها بلون أحمر.
والظاهر أنّ تبديل النقط السود إلى نقط ملوّنة حدث بعد وضع الإعجام على يد نصربن عاصم الآنف، للفرق بين النقطة التي هي علامة الحركة، والتي هي علامة الإعجام.
قال جرجي زيدان: وقد شاهدنا في دار الكتب المصريّة مصحفا كوفيّا منقّطا على هذه الكيفيّة، وجدوه في جامع عمرو بنالعاص بجوار القاهرة، وهو من أقدم مصاحف
[١] - التوبة ٣: ٩.
[٢] - يقال: إنّ زيادا هوالذي دبّر هذه الطريقة ليجبر بها أباالأسود على قبول ما طلبه منه. فأوعز إلى رجل من أتباعه أن يقعد في طريق أبي الأسود ويتعمّد اللحن في القراءة. راجع: الخطّ العربيّ الإسلاميّ، ص ٢٦؛ والخطّ الكوفيّ، ص ٢٣.
[٣] - الفهرست لابن النديم، ص ٦٦ الفنّ الأوّل من المقالة الثانية.
[٤] - تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، للسيد حسن الصدر، ص ٥٢.