التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٤ - شكوك واعتراضات
شكوك واعتراضات
يقول بلاشير: لماذا اختار أبوبكر لهذه المهمّة الخطيرة مثل زيد وهو شابّ حدث لم يتجاوز العشرين، في حين وجود ذوي الكفاءات من كبار الصحابة؟ ولنفرض عكورة المورد حالت دون اللجوء إلى شخصيّة كبيرة مثل علي بن أبي طالب فلماذا أغفلوا سائر فضلاء الصحابة ممّن لهم سابقة وعهد قديم بنزول القرآن وصحبة الرسول؟ وهل أنّ واقعة اليمامة أطاحت بجميع قرّاء الصحابة القدامى، ولم يبق سوى زيد وهو حديث العهد بالقراءة وبالقرآن؟ الأمر الذي يثير شكوكنا في القضيّة ولانكاد نصدّق بأنّ زيدا هوالذي جمع القرآن.
أضف إلى ذلك أنّ التاريخ لم يحدّد بالضبط بدء قيامه بهذا العمل، ومتى انتهى منها؟
فلو صحّ أنّه قام بجمع القرآن بعد واقعة اليمامة، لكان بقي من عمر أبي بكر خمسة عشر شهرا، وهذه فترة تضيق بإنجاز هكذا عمل خطير، الذي يتطلّب جهودا واسعة لجمع المصادر والالتقاء مع رجال كانت عندهم آيات أو سور وكانوا قد انتشروا في البلاد، فإنّ هذا وذاك يتطلّبان وقتا أوسع وأعوانا كثيرين، ممّا لايمكن إنجازه في تلك المدّة القصيرة.
هذا والرواية تقول: إنّ زيدا جمع القرآن في صحف وأودعها عند أبيبكر، ثمّ صارت عند عمر ثمّ ورثتها ابنته حفصة!
فإذا كانت الغاية من جمع القرآن هي ملاحظة المصلحة العامّة كما ينبّه على ذلك أنّ ورثة أبيبكر لم يختصّوا بتلك الصحف، وإنّما انتقلت إلى عمر، الخليفة بعده، فلماذا خصّصها عمر بابنته حفصة ولم يجعلها في متناول المسلمين عامّا؟ كما أنّه لِمَ صارت الصحف وديعة اختصاصيّة عند أبيبكر من غير أن تجعل في مكان هو معرض عامّ؟
وهكذا اعترض المستشرق شفالي على قضيّة جمع زيد للقرآن.
والذي يستنتجه بلاشير من شكوكه هذه: أنّ كبار الصحابة هم الذين قاموا بجمع القرآن بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله ورتّبوه ورتّبوا سوره، الأمر الذي كانت وظيفة الخلافة الإسلاميّة أن تقوم به ولكنّها غفلت عنه. وربّما أدّت هذه الغفلة إلى الطعن في القائمين