التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨١ - نظم آياته
كما ننبّه.
وهناك عامل آخر عمل في نظم قسم من الآيات على خلاف ترتيب نزولها، وذلك بنصّ من رسولاللّه صلى الله عليه و آله وتعيينه الخاصّ: كان يأمر- أحيانا- بثبت آية في موضع خاصّ من سورة سابقة كانت قد ختمت من قبل. ولاشكّ أنّه صلى الله عليه و آله كان يرى المناسبة القريبة بين هذه الآية النازلة والآيات التي سبق نزولها، فيأمر بثبتها معها بإذن اللّه تعالى.
وهذا جانب استثنائي للخروج عن ترتيب النزول، كان بحاجة إلى تصريح خاصّ:
روى أحمد في مسنده عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسولاللّه صلى الله عليه و آله إذ شخَص ببصره، ثمّ صوّبه. ثمّ قال: أتاني جبرائيل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ...»[١] فجعلت في سورة النحل بين آيات الاستشهاد وآيات العهد. وروى أنّ آخر آية نزلت قوله تعالى: «وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ»[٢] فأشار جبرائيل أن توضع بين آيتي الربا والدَّين من سورة البقرة.[٣] وعن ابنعباس والسدّي: أنّها آخر مانزلت من القرآن. قال جبرائيل: ضعها في رأس الثمانين والمائتين،[٤] ولاتخفى المناسبة القريبة بينها وبين آيتي الربا والدَّين. وكذا الآية السابقة في سورة النحل! وعن ابنعباس أيضا: قال: كان رسولاللّه صلى الله عليه و آله يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا.[٥]
هذا ممّا لاخلاف فيه، كما صرّح بذلك أبوجعفر بن الزبير، قال: «ترتيب الآيات في سُوَرها واقع بتوقيفه صلى الله عليه و آله وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين».[٦]
وربّما كانت تنزل السورة وقبل أن تكتمل، تفتتح سورة اخرى وتكتمل هذه الأخيرة قبل أن تكتمل الأُولى. وذلك أيضا كان بأمر النبيّ صلى الله عليه و آله وبإشارته. كما في سورة البقرة هي
[١] - النحل ٩٠: ١٦.
[٢] - البقرة ٢٨١: ٢.
[٣] - الإتقان، ج ١، ص ١٧٣ و ٧٨.
[٤] - مجمع البيان، ج ٢، ص ٣٩٤.
[٥] - أخرجه الترمذي بطريق حسن، والحاكم بطريق صحيح. راجع: البرهان للزركشي، ج ١، ص ٢٤١؛ وتاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ٣٦.
[٦] - الإتقان، ج ١، ص ١٧٢.