التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٩ - نضد كلماته
فكان العرب يتداولونها ليل نهار، إنّما الإعجاز في نظمها، جاء من قبل وحي السماء.
ثانيا: كان القسط الأوفر من إعجاز القرآن كامنا وراء هذا النظم البديع وفي اسلوبه هذا التعبيري الرائع، من تناسب نغمي مُرنّ، وتناسق شعريّ عجيب، وقد تحدّى القرآن فصحاء العرب وأرباب البيان- بصورة عامّة-: لو يأتون بمثل هذا القرآن، ولايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.[١] فلو جوّزنا- محالا- إمكان تدخّل يد بشريّة في نظم القرآن، كان بمعنى إبطال ذاك التحدّي الصارخ. ومن ثمّ كان ماينسب إلى ابنمسعود: جواز تبديل العهن بالصوف في الآية الكريمة[٢] أو قراءة أبيبكر: «وجاءت سكرة الحقّ بالموت»[٣] مكذوبا أو هو اعتبار شخصيّ لايتّسم بالقرآنية في شيء.
ثالثا: اتفاق كلمة الامّة في جميع أدوار التاريخ على أنّ النظم الموجود والأُسلوب القائم في جمل وتراكيب الآيات الكريمة هو من صنع الوحي السماوي لاغيره. الأمر الذي التزم به جميع الطوائف الإسلاميّة، على مختلف نزعاتهم وآرائهم في سائر المواضيع. ومن ثمّ لم يتردّد أحد من علماء الأدب والبيان في آية قرآنيّة جاءت مخالفة لقواعد رسموها، في أخذ الآية حجّة قاطعة على تلك القاعدة وتأويلها إلى مايلتئم و تركيب الآية. وذلك علما منهم بأنّ النظم الموجود في الآية وحي لايتسرّب إليه خطأ ألبتة، وإنّما الخطأ في فهمهم هم وفيما استنبطوه من قواعد مرسومة.
مثال ذلك قوله تعالى: «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ»[٤] فزعموا أنّ الحال لاتتقدّم على صاحبها المجرور بحرف، والآية جاءت مخالفة لهذه القاعدة. ومن ثمّ وقع بينهم جدال عريض ودار بينهم كلام في صحّة تلك القاعدة وسقمها[٥] ولجأ ابنمالك أخيرا إلى نبذ القاعدة بحجّة أنّها مخالفة للآية، قال:
|
وسبق حال ما بحرف جرٍ قد |
أبوا ولا أمنعه فقد ورد |
|
[١] - الإسراء: من الآية ٨٨.
[٢] - القارعة ٥: ١٠١. راجع: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، ص ٢٤.
[٣] - ق ١٩: ٥٠. راجع: جامع البيان، ج ٢٦، ص ١٠٠.
[٤] - سبأ ٢٨: ٣٤.
[٥] - راجع: شرح التوضيح، لخالد الأزهري، باب الحال، فصل: وللحال المؤسسة مع صاحبها ثلاث حالات. والكشاف للزمخشري.