التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٥ - العبرة بعموم اللفظ لابخصوص المورد
لكن المؤمنين الصادقين صمدوا على الثبات والإيمان وعزموا على مجابهة العدوّ بكلّ مجهودهم، وانتدبهم رسولاللّه صلى الله عليه و آله قصدا لإرهاب المشركين، وفي مقدّمة المنتدبين الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام.
والشاهد في قوله تعالى: «قالَ لَهُمُ النَّاسُ» إشارة إلى أُناس معهودين أو فرد معهود.
والمقصود من «النّاس» الذين جمعوا لهم، هم أصحاب أبيسفيان.
نعم مجموعة هذه الحادثة تفيدنا مسألة الثبات على الإيمان وأن لا نهاب عدوّا ولا تجمّع الناس ضدّ الحقّ مادام اللّه ناصرنا وكافلنا، نعم المولى ونعم النصير.
وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ».[١]
إنّما يعني الذين كفروا على عهده صلى الله عليه و آله وعاندوا وأصرّوا على اللجاج، بعد وضوح الحقّ وسطوع البرهان. وليس مطلق الكفّار على مرّ الزمان. وهذا تيئيس للنبيّ صلى الله عليه و آله فلا تذهب نفسه عليهم حسرات.
قال العلّامة الطباطبائي قدسسره: ولايبعد أن يكون المراد هم الكفّار من صناديد قريش وكبراء مكة الذين عاندوا ولجّوا في أمر الدين ولم يألوا جهدا في ذلك. إذ لايمكن استطراد هذا التعبير في حقّ جميع الكفّار، وإِلّا لانسدّ باب الهداية. فالأشبه أن يكون المراد من «الَّذِينَ كَفَرُوا» هاهنا وفي سائر الموارد من كلامه تعالى هم كفّار مكة في أوّل البعثة، إِلّا أن تقوم قرينة على خلافه. نظير ما سيأتي أنّ المراد من قوله: «الَّذِينَ آمَنُوا» فيما اطلق في القرآن من غير قرينة على إرادة الإطلاق، هم السابقون الأوّلون من المؤمنين.
خصّوا بهذا الخطاب تشريفا.[٢]
وهكذا قال رحمهالله في تفسير سورة الكافرون: هؤلاء قوم معهودون لا كلّ كافر. ويدلّ عليه أمره صلى الله عليه و آله أن يخاطبهم ببراءته من دينهم وامتناعهم من دينه.[٣]
[١] - البقرة ٦: ٢- ٧.
[٢] - تفسير الميزان، ج ١، ص ٥٠.
[٣] - المصدر، ج ٢٠، ص ٥٢٦.