التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٩ - التنزيل والتأويل
وقال عليه السلام: «ظهر القرآن الذين نزل فيهم، وبطنه الذين عملوا بمثل أعمالهم ...».[١]
ذلك أنّ للآية وجها مرتبطا بالحادثة الواقعة- التي استدعت نزولها- ووجها آخر عاما تكون الآية بذلك دستورا كلّيا يجري عليه المسلمون أبديا، وكما أنّ الآية عالجت- بوجهها الخاصّ- مشكلة حاضرة، فإنّها- بوجهها العام- سوف تعالج مشاكل الامّة على مرّ الأيام.
قال الإمام أبوجعفر عليه السلام: «ولو أنّ الآية نزلت في قوم ثمّ مات اولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء ولكن القرآن يجري أوّله على آخره مادامت السماوات والأرض.
ولكلّ قوم يتلونها، هم منها من خير أو شرّ».[٢]
نعم، إنّ الحكمة في نزول آية أو سورة، ليست بالتي تقتصر على معالجة مشاكل حاضرة، وليست دواءً وقتيّا لداءٍ عارض وقتي. إذن تنتفي فائدتها بتبدّل الأحوال والأوضاع. بل القرآن، في جميع آيه وسوره، نزل علاجا لمشاكل امَّة بكاملها في طول الزمان وعرضه. وإلى ذلك يشير قولهم عليهمالسلام: «نزل القرآن بإيّاك أعني واسمعي ياجارة».[٣]
وهذا الوجه العامّ للآية، هو ناموسها الأكبر، الكامن وراء ذلك الوجه الخاصّ، وإنّما يلقي بأضوائه على الآفاق من وراء ذلك الستار الظاهري، وتنبعث أنواره من ذلك البطن الكامن وراء هذا الظهر.
وهذا من اختصاص القرآن في بيان مقاصده من الوجهين الخاص والعام، ومن ثمّ فإنّ له تنزيلًا (الذين نزل فيهم) وتأويلًا (الذين عملوا بمثل أعمالهم) وذلك ظهره وهذا بطنه.
غير أنّ الوقوف على تأويل القرآن وفهم بطون الآيات، إنّما هو من اختصاص الراسخين في العلم، ممّن ثبتوا على الطريقة فسقاهم ربّهم ماءً غدقا.[٤]
[١] - تفسير العياشي، ج ١، ص ١١، ح ٤.
[٢] - المصدر، ص ١٠، ح ٧.
[٣] - المصدر، ح ٤.
[٤] - من الآية رقم ١٦ من سورة الجن.