التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٠ - ٩ - سورة النحل مكية
كانُوا يَعْمَلُونَ»[١] نزلتا بالمدينة.[٢]
قلت: أمّا الآية رقم ٤١ و ٤٢ فلا دلالة فيها على أنّ المراد هي الهجرة الثانية إلى المدينة، بل الظاهر منها أنّها: الهجرة الأُولى إلى الحبشة، كما روي ذلك عن قتادة أيضا.[٣] وأمّا القول بنزول ما بعد آية الأربعين إلى آخر السورة بالمدينة فلا مستند له وسياق الآيات أيضا ينافيه.
وأمّا الآية رقم ٩٥ و ٩٦ فقيل: نزلت بشأن امرئ القيس الكندي، كان قد غصب أرضا من عبدان الأشرع الحضرموتي. فشكاه إلى النبيّ صلى الله عليه و آله فأنكر امرؤ القيس، فاستحلفه فاستعظم أن يحلف كاذبا، فنزلت الآية.[٤] وهذه القصة وقعت بالمدينة!
لكن القصّة لم تثبت، ولهجة الآية عامّة، وسياقها يشهد بانسجامها الوثيق مع آيات قبلها، تهدف تقريعا عنيفا باولئك المشركين المعاندين. وملاحظة عابرة بالآية تجعلنا نطمئنّ بأنّها مرتبطة تمام الارتباط مع الآية رقم: ٩١ «وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ» توكيدا منها، وتثبيتا بموقف المؤمنين آنذاك، فلا يشتروا بما عاهدوا اللّه عليه ثمنا بخسا: عرض هذه الحياة الدنيا، تجاه مااعدّ لهم من عظيم الأجر والثواب وحسن الخاتمة.[٥]
وأمّا آية «وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ»[٦] فقد اختلف المفسّرون فيها على ثلاثة أقوال:
الأوّل: أنّها نزلت يوم احد، عندما وقف النبيّ صلى الله عليه و آله على حمزة وقد مُثّل به، فما كان أوجع لقلبه الكريم، فقال: أما واللّه لُامثّلنّ بسبعين، أوقال: بثلاثين منهم مكانك!
وهكذا لمّا سمع المسلمون ذلك، قالوا: لئن أمكننا اللّه منهم لنمثّلنّ بالأحياء منهم فضلًا عن الأموات، وقال بعضهم: لنمثّلنّ بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب! فنزل جبرائيل بالآية، فكفّر النبيّ صلى الله عليه و آله عن يمينه وأمسك عن الذي أراد!
[١] - النحل ٩٥: ١٦- ٩٦.
[٢] - مجمع البيان، ج ٦، ص ٣٤٧.
[٣] - الدرّ المنثور، ج ٤، ص ١١٨.
[٤] - مجمع البيان، ج ٦، ص ٣٨٤.
[٥] - راجع: الدرّ المنثور، ج ٤، ص ١٢٩.
[٦] - النحل ١٢٦: ١٦.