التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٢ - كتاب الوحي
كان علي عليه السلام أوّل من كتب له صلى الله عليه و آله في مكّة ودام حتى آخر حياته.
ومن ميزاته عليه السلام أنّه لم يفته شيمن الوحي إلّا وسجّله في كتاب، حتى الذي كان ينزل في غيابه فيحفظه له النبيّ صلى الله عليه و آله حتى يحضر ويملي عليه ليكتب.
وميزة أُخرى: أنّه صلى الله عليه و آله لم يكن ليقتصر على إملاء الوحي عليه نصّا، بل وكان يردفه بما احتاج إلى تفسير وتأويل. فأملى عليه التنزيل والتأويل معا.
روى سليم بن قيس الهلالي العامري (من أصحابه الأجلّاء توفي حدود ٩٠) قال:
جلست إلى علي عليه السلام بالكوفة في المسجد والناس حوله. فقال: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن كتاب اللّه فواللّه مانزلت آية من كتاب اللّه إلّا وقد أقرأنيها رسولاللّه صلى الله عليه و آله وعلّمني تأويلها! فقال ابن الكوّاء:[١] فما كان ينزل عليه وأنت غائب؟ فقال: بلى، يحفظ عَلَيَّ ما غبتُ عنه، فإذا قدمت عليه قال لي: ياعليّ، أنزل اللّه بعدك كذا وكذا فيقرأنيه وتأويله كذا وكذا فيعلّمنيه.[٢]
وأوّل من كتب له في المدينة أُبيّ بن كعب الأنصاري كان من المعدودين الذين يُجيدون الكتابة ذلك العهد. وهو أوّل من ختم الرسائل ب- «وكتب فلان ...» وقد تولّى النبيّ صلى الله عليه و آله عرض القرآن عليه كملًا وقد حضر العرضة الأخيرة فيمن حضر، ومن ثَمَّ تولّى الإشراف على الكتبة على عهد عثمان وكان هو المرجع فيما كانوا يختلفون فيه.[٣]
كان زيد بن ثابت يسكن في جوار النبيّ صلى الله عليه و آله وكان شابّا جلدا يحسن الكتابة، وكان النبيّ إذا غاب أُبيٌّ أرسل إلى زيد ليكتب له، حتى أصبح من كتّابه الرسميّين. والأغلب كان يتصدّى كتابة رسائله. وأمره أن يتعلّم العبريّة في مدارس يهودية كانت هناك باسم
[١] - اسمه عبداللّه من بني يشكر كان من رؤوس الخوارج حين خرجوا على عليّ عليه السلام في وقعة صفّين. ثمّ رجع هو وجماعة بعد أن نصحهم ابن عباس. كان يلازم عليّا ويسائله المشاقّ فيما يراه وكان يسأل فيما يسأل- أكثريّا- تعنّتا لاتفهّما. وكان الإمام يجيبه برحابة صدر أجوبة رشيدة بقيت لنا رصيدا حافلًا بأنواع العلوم والمعارف طول الأيام.
[٢] - كتاب سليم برواية أبان ط نجف، ص ٢١٣- ٢١٤.
[٣] - راجع: الطبقات، ج ٣، ق ٢، ص ٥٩؛ والإصابة لابن حجر، ج ١، ص ١٩؛ والاستيعاب لابن عبدالبرّ بهامش الإصابة، ج ١، ص ٥٠- ٥١؛ والمصاحف للسجستاني، ص ٣٠.