التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٩ - ٣ - تهافته مع آي السورة
ثورة جديدة قامت فيها.
أمّا الاحتجاج بالآيات فاحتجاج مقلوب، لأنّ الآية الأُولى لاتشي بوقوع الأمر:
«وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ».[١]
فالآية تقول: إنَّ اللّه ثبّته فلم يفعل. وأمّا آية التمنّي فلاصلة لها بحديث الغرانيق، وقد تقدّم شأنها.
ودليل آخر أقوى وأقطع: سياق السورة وعدم احتماله لمسألة الغرانيق، فإنّها ذمّ صريح، ولهجة تقريع لاينسجم وإدراج هكذا جملة، الأمر الذي لايكاد يخفى على العرب آنذاك.
وأيضا فإنّ وصف آلهة قريش بالغرانيق لم يأت في نظمهم هم ولافي خطبهم ولاشيء من معنى الغرنوق يلائم معنى الآلهة التي وصفها العرب- كما قاله الشيخ محمد عبده-.
وبقيت حجّة قاطعة نسوقها للدلالة على استحالة قصة الغرانيق هذه، من حياة محمد نفسه، «فهو منذ طفولته وصباه وشبابه لم يجرَّب عليه الكذب قط، حتى سمّي الأمين.
وكان صدقه أمرا مسلّما به من الناس جميعا، فكيف يصدق إنسان أنّه يقول على ربّه مالم يقل، ويخشى الناس واللّه أحقّ أن يخشاه! هذا أمر مستحيل، يدرك استحالته الذين درسوا هذه النفوس القويّة الممتازة التي تعرف الصلابة في الحقّ ولاتداجي فيه لأي اعتبار».[٢]
والآيتان- من سورة الإسراء وسورة الحج- لاتمسّان قصة الغرانيق في شيء، وإنّما تعنيان شيئا آخر ذكره المفسّرون. وسيأتي تفصيل الكلام فيهما في خاتمة الجزء الثالث من هذا الكتاب عند التعرض لمسألة العصمة عند الكلام عن عصمة خاتم النبيّين صلى الله عليه و آله وإليك الآن إجمال الكلام فيهما:
[١] - الإسراء ٧٤: ١٧.
[٢] - حياة محمد لمحمدحسين هيكل، ص ١٢٤- ١٢٩.