كنز الدعاء - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٥٩٥ - ٣٩/ ١ الدعاء المأثور عن أمير المؤمنين عليه السلام
في أزَلِيَّتِكَ، ولا مُمكِناً في قِدَمِكَ، ولا يَبلُغُكَ بُعدُ الهِمَمِ، ولا يَنالُكَ غَوصُ الفِطَنِ، ولا يَنتَهي إلَيكَ نَظَرُ النّاظِرينَ في مَجدِ جَبَروتِكَ وعَظيمِ قُدرَتِكَ، ارتَفَعَت عَن صِفَةِ المَخلوقينَ صِفَةُ قُدرَتِكَ، وعَلا عَن ذلِكَ كِبرِياءُ عَظَمَتِكَ، ولا يَنتَقِصُ ما أرَدتَ أن يَزدادَ، ولا يَزدادُ ما أرَدتَ أن يَنتَقِصَ، ولا أحَدٌ شَهِدَكَ حينَ فَطَرتَ الخَلقَ، ولا ضِدٌّ حَضَرَكَ حينَ بَرَأتَ النُّفوسَ، كَلَّتِ الأَلسُنُ عَن تَبيينِ صِفَتِكَ، وَانحَسَرَتِ العُقولُ عَن كُنهِ مَعرِفَتِكَ، وكَيفَ تُدرِكُكَ الصِّفاتُ أو تَحويكَ الجِهاتُ وأَنتَ الجَبّارُ القُدّوسُ الَّذي لَم تَزَل أزَلِيّاً دائِماً فِي الغُيوبِ وَحدَكَ لَيسَ فيها غَيرُكَ، ولَم يَكُن لَها سِواكَ؟! حارَت في مَلَكوتِكَ عَميقاتُ مَذاهِبِ التَّفكيرِ، وحَسَرَ عَن إدراكِكَ بَصَرُ البَصيرِ، وتَواضَعَتِ المُلوكُ لِهَيبَتِكَ، وعَنَتِ الوُجوهُ بِذُلِّ الاستِكانَةِ لِعِزَّتِكَ، وَانقادَ كُلُّ شَيءٍ لِعَظَمَتِكَ، وَاستَسلَمَ كُلُّ شَيءٍ لِقُدرَتِكَ، وخَضَعَتِ الرِّقابُ لِسُلطانِكَ[١]، فَضَلَّ هُنالِكَ التَّدبيرُ في تَصاريفِ الصِّفاتِ لَكَ، فَمَن تَفَكَّرَ في ذلِكَ رَجَعَ طَرفُهُ إلَيهِ حَسيراً، وعَقلُهُ مَبهوتاً مَبهوراً، وفِكرُهُ مُتَحَيِّراً.
اللَّهُمَّ فَلَكَ الحَمدُ حَمداً مُتَواتِراً مُتَوالِياً مُتَّسِقاً مُستَوسِقاً[٢]، يَدومُ ولا يَبيدُ، غَيرَ مَفقودٍ فِي المَلَكوتِ، ولا مَطموسٍ فِي العالَمِ، ولا مُنتَقَصٍ فِي العِرفانِ، فَلَكَ الحَمدُ حَمداً لا تُحصى مَكارِمُهُ، فِي اللَّيلِ إذا أدبَرَ، وفِي الصُّبحِ إذا أسفَرَ، وفِي البَرِّ وَالبَحرِ، بِالغُدُوِّ وَالآصالِ، وَالعَشِيِّ وَالإِبكارِ، وَالظَّهيرَةِ وَالأَسحارِ.
اللَّهُمَّ بِتَوفيقِكَ أحضَرتَنِي النَّجاةَ، وجَعَلتَني مِنكَ في وِلايَةِ العِصمَةِ، لَم تُكَلِّفني فَوقَ طاقَتي إذ لَم تَرضَ مِنّي إلّابِطاعَتي، فَلَيسَ شُكري- وإن دَأَبتُ مِنهُ فِي المَقالِ، وبالَغتُ مِنهُ فِي الفِعالِ- بِبالِغٍ أداءَ حَقِّكَ، ولا مُكافٍ فَضلَكَ؛ لِأَنَّكَ أنتَ اللَّهُ لا إلهَ إلّاأنتَ، لَم
[١]. في الطبعة المعتمدة للمصدر:« بسلطانك»، والتصويب من بحار الأنوار.
[٢]. في الطبعة المعتمدة للمصدر:« مستوثقاً»، والتصويب من بحار الأنوار. يقال: استوسقت الإبل: أي اجتمعت. وأَوسَقَت النخلةُ: كثر حملها. والاتِّساق: الانتظام( انظر: الصحاح: ج ٤ ص ١٥٦٦« وسق»).