مصباح المنهاج / المزارعة و المساقاة - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٥٥ - كتاب الجعالة
على بعض عباراتهم يقتضي توقف جواز الرجوع على دفع الأجرة المذكورة. ويظهر من مساق كلماتهم وصريح بعضها أن المراد من العمل يعم ما يأتي به من مقدمات الأمر المجعول عليه الجعل، كالخروج في طلب الآبق الذي هو مقدمة للأمر المجعول عليه، وهو ردّه.
لكن المراد من أجرة المقدار الذي عمله العامل .. تارة: أجرة المثل له، كما في التذكرة. وأخرى: جزء من الجعل بنسبة المقدار المأتي به من العمل، نظير موارد تبعض الصفقة في البيع والإجارة، كما هو صريح الدروس والمسالك والروضة وظاهر اللمعة، بل يظهر من مفتاح الكرامة استفادته من كل من عبر بالأجرة.
أما الأول فكان الوجه فيه ما أشار إليه غير واحد من أن مقتضى الفسخ عدم ثبوت المضمون المجعول، وحيث كان عمل العامل محترماً لصدوره بداعي الجعل لا مجاناً تعين ضمانه بأجرة المثل. ولعله لذا حكم مع الموت في أثناء العمل باستحقاقه من الجعل بنسبة ما عمل، لعدم كون الموت فسخاً للجعالة، بل مبطلًا لها.
لكن الظاهر أن الرجوع في المقام ليس فسخاً، لما سبق من عدم كون الجعالة عقداً، بل هي أشبه بالوعد الذي يكون الرجوع فيه عدولًا عنه لا فسخاً له. وكما لا أثر للعدول بعد إكمال العمل بالإضافة إلى تمام العمل كذلك لا أثر للعدول بعد الشروع في العمل بالإضافة إلى ما وقع منه، بل يتعين الاستحقاق بالنسبة لما عمل، تبعاً للمرتكزات العقلائية، وهو مقتضى الوجه الثاني.
هذا فيما إذا كان العمل المأتي به بعض العمل. كما إذا كان الجعل على بناء جدار أو نقل شيء مسافة معينة وإن كانت مجهولة، سواءً تعلق غرض الجاعل بمجموع العمل بنحو الارتباطية أم بنحو الانحلال، لأن فوت غرض الجاعل في الأول وعدم ترتب شيء منه على المقدار المأتي به من العمل ناشئ من قبله وبسبب رجوعه عن الجعل.