اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٦٢
(لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع) وهو: كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، وهذا عن أبي يوسف، وعنه أنهم إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعهم، والأول اختيار الكرخي وهو الظاهر، والثاني اختيار الثلجي هداية. (أو في مصلى المصر)؛ لأنه من توابعه، والحكم ليس مقصوراً على المصلى، بل يجوز في جميع أفنية المصر؛ لأنها بمنزلته في حوائج أهله. هداية. ثم من كان محله من توابع المصر فحكمه حكم أهل المصر في وجوب الجمعة عليه، واختلفوا فيه: فعن أبي يوسف إن كان الموضع يستمع فيه النداء من المصر فهو من توابعه، وإلا فلا، وعنه: كل قرية متصلة بربض المصر.. فتح وصحح هذا الثاني في مواهب الرحمن، وعللّه في شرحه بأن وجوبها مخص بأهل المصر. والخارج عن هذا الحد ليس من أهله. اهـ. قال شيخنا: وهو ظاهر المتون، وفي المعراج أنه أصح ما قيل، وفي التتارخانية: ثم ظاهر رواية أصحابنا لا تجب إلا على من يسكن المصر أو من يتصل به؛ فلا تجب على أهل السواد ولو قريباً، وهذا أصح ما قيل فيه. اهـ (ولا تجوز في القرى) تأكد لما قبله، وتصريح بمفهومه، ولا تجوز إقامتها إلا بالسلطان أو من أمره السلطان بإقامتها؛ لأنها تقام بجمع عظيم، وقد تقع المنازعة في التقدم والتقديم، وقد تقع في غيره، فلابد منه تتميماً لأمره. هداية (ومن شرائطها الوقت؛ فتصح في وقت الظهر ولا تصح بعده) فلو خرج الوقت وهو فيها استقبل الظهر، ولا يبني على الجمعة؛ لأنهما مختلفان (ومن شرائطها) أيضا (الخطبة) بقصدها، وكونها (قبل الصلاة) بحضرة جماعة تنعقد بهم الجمعة ولو صماً أو نياماً. فلو صدرت من غير قصد أو بعد الصلاة، أو بغير حضور جماعة - لا يعتد بها، لكن جزم في الخلاصة بأنه يكفي حضور واحد، والسنة في الخطبة أنه (يخطب الإمام خطبتين) خفيفتين بقدر سورة من طوال المفصل (يفصل بينهما بقعدة) قدر قراءة ثلاث آيات ويخفض جهره بالثانية عن الأولى (ويخطب قائماً) مستقبل الناس (على طهارة) من الحدثين (فإن اقتصر على ذكر اللّه تعالى) كتحميدة أو تهليلة أو تسبيحة (جاز عند أبي حنيفة) مع الكراهة (وقالا: لابد) لصحتها (من ذكر طويل يسمى خطبة) وأقله قدر التشهد.
(وإن خطب قاعداً أو على غير طهارة) أو لم يقعد بين الخطبتين، أو استدبر الناس - (جاز ويكره) لمخالفته المتوارث (١) (ومن شرائطها) أيضاً (الجماعة)؛ لأن الجمعة مشتقة منها (وأقلهم عند أبي حنيفة ثلاثة) رجال (سوى الإمام، وقالا: اثنان سوى الإمام) قال في التصحيح: ورجح في الشروح دليله واختاره المحبوبي والنسفي. اهـ. ويشترط بقاؤهم حتى يسجد السجدة الأولى، فلو نفروا بعدها أتمها وحده جمعة (ويجهر الإمام بالقراءة في الركعتين)؛ لأنه المتوارث (وليس فيهما قرءاة سورة بعينها) قال في شرح الطحاوي: ويقرأ في الركعتين سورة الجمعة والمنافقين، ولا يكره غيرهما. اهـ. وذكر الزاهدي أنه يقرأ فيهما سورة الأعلى والغاشية، قال في البحر: ولكن لا يواظب على ذلك؛ كيلا يؤدي إلى هجر الباقي، ولئلا تظنه العامة حتماً. اهـ.
(ولا تجب الجمعة على مسافر)؛ للحوق المشقة بأدائها (ولا امرأة)؛ لأنها منهية عن الخروج (ولا مريض) لعجزه عن ذلك، وكذا المرض إن بقي المريض ضائعاً (ولا عبد) لأنه مشغول بخدمة مولاه، ولا زمن (ولا أعمى) ولا خائف، ولا معذور بمشقة مطر ووحل وثلج، ولا قروي (فإن حضروا وصلوا مع الناس أجزأهم) ذلك (عن فرض الوقت)؛ لأنهم تحملوا المشقة فصاروا كالمسافر إذ صام.
(ويجوز للمسافر والعبد والمريض ونحوهم) خلا امرأة (أن يؤم في الجمعة) لأن عدم وجوبها عليهم رخصة لهم دفعاً للحرج؛ فإذا حضروا تقع فرضاً.
(ومن صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذر له كره له ذلك) تحريماً، بل حرم؛ لأنه ترك الفرض القطعي باتفاقهم. فتح (وجازت صلاته) جوازاً موقوفاً (فإن بدا له): أي لمن صلى الظهر ولو بمعذرة على المذهب (أن يحضر الجمعة فتوجه إليها) والإمام فيها ولم تقم بعد (بطلت صلاة الصلاة الظهر) أي وصف الفرضية وصارت نفلاً (عند أبي حنيفة بالسعي)، وإن لم يدركها (وقالا: لا تبطل حتى يدخل مع الإمام) قال في التصحيح: ورجح دليل الإمام في الهداية، واختاره البرهاني والنسفي. اهـ. قيدنا بكون الإمام فيها؛ لأن السعي إذا كان بعد ما فرغ منها لم يبطل ظهره اتفاقاً.
(ويكره أن يصلي المعذورون الظهر بجماعة يوم الجمعة) في المصر؛ لما فيه من الإخلال بالجمعة بتقليل الجماعة وصورة المعارضة. قيدنا بالمصر لأنه لا جمعة في غيرها فلا يفضي إلى ذلك (وكذلك أهل السجن): أي يكره لهم ذلك؛ لما فيه من صورة المعارضة. وإنما أفرده بالذكر لما يتوهم من عدم الكراهة يمنعهم من الخروج.