اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ١٤٤
(ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن النجش) وهو: أن يزيد في الثمن ولا يريد به الشراء ليرغب غيره (وعن السوم على سوم غيره) وعن الخطبة على خطبة غيره؛ لما في ذلك من الإيحاش والإضرار؛ وهذا إذا تراضى المتعاقدان على مبلغ المساومة، فإذا لم يركن أحدهما إلى الآخر - وهو بيع من يزيد فلا بأس به على ما تذكره؛ وما ذكرناه وهو محمل النهي في النكاح. هداية (وعن تلقي الجلب): أي المجلوب؛ أو الجالب؛ وهذا إذا كان يضر بأهل البلد؛ فإن كان لا يضر فلا بأس به؛ إلا إذا لبس السعر على الواردين، لما فيه من الغرر والضرر (وبيع الحاضر) وهو المقيم في المصر والقرى (للبادي) وهو المقيم في البادية؛ لأن فيه إضرارا بأهل البلد، وفي الهداية تبعا لشرح الطحاوي: وصورته أن يكون أهل البلد في قحط وهو يبيع من أهل البدو طمعاً في الثمن الغالي اهـ، وعلى هذا اللام بمعنى "من" أي: من المبادئ؛ وقال الحلواني: صورته أن يجيئ البادي بالطعام إلى المصر؛ فلا يتركه السمسار الحاضر يبيعه بنفسه؛ بل يتوكل عنه ويبيعه ويغلي على الناس؛ ولو تركه لرخص على الناس؛ وعلى هذا قال في المجتبى: هذا التفسير أصح؛ كذا في الفيض (وعن المبيع عند أذان الجمعة) الأول؛ وقد خص منه من لا جمعة عليه؛ فتح (١) في نسخه "منح". (وكل ذلك) المذكور من قوله " ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم " إلى هنا (يكره) تحريماً لصريح النهي (ولا يفسد به العقد) فيجب الثمن لا القيمة؛ ويثبت الملك قبل القبض؛ لأن النهي ورد لمعنى خارج عن صلب العقد مجاور له، لا لمعنى في صلب العقد ولا في شرائط الصحة، فأوجب الكراهة، لا الفساد، والمراتد من صلب العقد البدل والمبدل، كذا في غاية البيان.
(ومن ملك) بأي سبب كان (مملوكين صغيرين أحدهما ذو رحم محرم من الآخر) من الرحم؛ وبه خرج المحرم من الرضاع إذا كان رحماً كإبن العم هو أخ رضاعاً (لم يفرق بينهما) ببيع ونحوه، وغير بالنفي مبالغة في المنع عنه (وكذلك إن كان أحدهما كبيراً والآخر صغيراً) لأن الصغير يستأنس بالصغير والكبير، والكبير يتعاهده، فكان في بيع أحدهما قطع الاستئناس والمنع من التعاهد، وفيه ترك المرحمة على الصغار، وقد أوعد عليه، ثم المنع معلول بالقرابة المحرمة للنكاح حتى لا يدخل فيه محرم غير قريب ولا قريب غير محرم ولا الزوجان حتى جاز التفريق بينهما، لأن النص ورد بحلاف القياس فيقتصر على مورده، ولابد من اجتماعهما بحق مستحق في ملكه حتى لو كان أحدهما له والآخر لغيره لا بأس ببيع واحد منهما، ولو كان التفريق فلا بأس به: كدفع أحدهما بالجناية، وبيعه بالدين، ورده بالعيب، لأن المنظور إليه دفع الضرر عن غيره لا الإضرار به، كذا في الهداية (فإن فرق بينهما كره له ذلك) لما قلنا (وجاز البيع)، لأن ركن البيع صدر من أهله في محله، وإنما الكراهة لمعنى مجاور فشابه كراهة الاستيام. هداية. (وإن كان كبيرين فلا بأس بالتفريق بينهما) لأنه ليس في معنى ما ورد به النص، وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام فرق بين مارية وسيرين، وكانتا أمتين أختين. هداية.
--------------
(١) قال في الهداية والفتح إن الطير قبل أخذه غير مملوك وبعد أخذه وإرساله غير مقدور التسليم عقب العقد، ثم لو قدر على التسليم بعد ذلك لا يعود بالجواز عند مشايخ بلخ وعلى قول الكرخي يعود وكذا عند الطحاوي وكذا الحكم لو جعل العصفور ثمنا.
(٢) في الصحيحين والسنن عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة وكان يبتاعه أهل الجاهلية كان الرجل يبيع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم ينتج الذي في بطنها واستدل الشارح هنا بعدم وجوده ففي بيعه غرر لجواز إلا يلد الحيوان أو يموت قبل ذلك.