اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ١٤٩
(١) قال في الهداية إن البيعين جائزان لاستجماع شرائط الجواز والحاجة ماسة إلى هذا النوع من البيع لأن الغبي الذي لا يهتدي في التجارة يحتاج إلى أن يعتمد فعل الذكي المهتدي ويطيب نفسه بمثل ما اشترى وبزيادة ربح فوجد القول بجوازهما ولهذا كان مبناهما على الأمانة والإحتراز عن الخيانة وعن شبهتها. وقد صح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما أراد الهجرة ابتاع أبو بكر رضي اللّه عنه بعيرين فقال أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دلني أحدهما فقال هو لك بغير شيء فقال صلى اللّه عليه وسلم أما بعد ثمن فلا قال في الفتح وفي التولية أحاديث لا شبهة فيها وذكرهما حديث عبد الرزاق بسنده إلى سعيد بن المسقب أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال التولية والإقالة والشركة سواء لا بأس به والحديث من مراسيل سعيد ولا خلاف في قبولها.
(٢) الحديث الذي ورد في هذا الموضوع هو أنه عليه الصلاة والسلام: (نهى عن بيع مالم يقبض) فأما محمد بن الحسن رحمه اللّه فأخذ بظاهره، وقال: إن الحديث لم يفرق بين العقار والمنقول؛ فيكون بيع كل منهما قبل قبضه منهيا عنه وأما أبو حنيفة وأبو يوسف فقالا: إن العلة في هذا النهي كون المبيع قبل قبضه يعرض الهلاك فيكون العقد على شفا الانفساخ إذا تبين هلاك المبيع، ولما كان الهلاك في المنقول قريب الاحتمال والهلاك في العقار نادرا حملنا الحديث على خصوص المنقول؛ رجوعا إلى العلة التي من أجلها ورد النهي. ولم نجعل العقار مما يتناوله النهي لأن الشيء البادر لا يحفل به؛ فلا يكون له حكم الشيء المتكرر القريب الوقوع.
--------------------------
٣ باب الربا.
- الربا محرمٌ في كل مكيلٍ أو موزونٍ، إذا بيع بجنسه متفاصلا (١)، فالعلة فيه الكيل مع الجنس أو الوزن مع الجنس (٢) فإذا بيع المكيل أو الموزون بجنسه مثلاً بمثلٍ جاز البيع، وإن تفاضلا لم يجز، ولا يجوز بيع الجيد بالردئ مما فيه الربا إلا مثلا بمثلٍ، فإذا عدم الوصفان الجنس والمعنى المضموم إليه حل التفاضل والنساء، وإذا وجدا حرم التفاضل والنساء، وإذا وجدا أحدهما وعدم الآخر حل التفاضل وحرم النساء، وكل شيءٍ نص رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على تحريم التفاضل فيه كيلاً فهو مكيلٌ أبداً وإن ترك الناس الكيل فيه، مثل الحنطة والشعير والتمر والملح، وكل ما نص على تحريم التفاضل فيه وزناً فهو موزونٌ أبداً، مثل الذهب والفضة، وما لم ينص عليه فهو محمول على عادات الناس.
وعقد الصرف ما وقع على جنس الأثمان يعتبر فيه قبض عوضيه في المجلس، وما سواه مما فيه الربا يعتبر فيه التعيين، ولا يعتبر فيه التقابض، ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق ولا بالسويق.
ويجوز بيع اللحم بالحيوان عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمدٌ: لا يجوز، إلا أن يكون اللحم الذي في الحيوان أقل مما هو المعقود عليه، ويجوز بيع الرطب بالتمر مثلاً بمثلٍ والعنب بالزبيب،
ولا يجوز بيع الزيتون بالزيت والسمسم بالشيرج حتى يكون الزيت والشيرج أكثر مما في الزيتون والسمسم، فيكون الدهن بمثله والزيادة بالثجير، ويجوز بيع اللحمان المختلفة بعضها ببعضٍ متفاضلاً، وكذلك ألباني البقر والغنم، وخل الدقل بخل العنب، ويجوز بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلاً.