اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ١٠١
وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما اللّه: يجمع بينهما المنفرد، ثم يتوجه إلى الموقف فيقف بقرب الجبل، وعرفات كلها موقفٌ إلا بطن عرفة. وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته ويدعو ويعلم الناس المناسك، ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف ويجتهد في الدعاء، فإذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه على هينتهم حتى يأتوا المزدلفة فينزلوا بها، والمستحب أن ينزل بقرب الجبل الذي عليه الميقدة يقال له قزح، ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء بأذانٍ وإقامةٍ، ومن صلى المغرب في الطريق لم يجز عند أبي حنيفة ومحمدٍ، فإذا طلع الفجر صلى الإمام بالناس الفجر بغلسلٍ ثم وقف ووقف الناس معه، فدعا: والمزدلفة كلها موقفٌ إلا بطن محسرٍ، ثم أفاض الإمام والناس معه قبل طلوع الشمس حتى يأتوا منى فيبتدئ بجمرة العقبة فيرميها من بطن الوادي بسبع حصياتٍ مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاةٍ ولا يقف عندها ويقطع التلبية مع أول حصاةٍ، ثم يذبح إن أحب، ثم يحلق أو يقصر، والحلق أفضل، وقد حل له كل شيء إلا النساء، ثم يأتي مكة من يومه ذلك أو من الغد أو من بعد الغد، فيطوف بالبيت طواف الزيارة سبعة أشواطٍ، فإن كان سعى بين الصفا والمروة عقيب طواف القدوم لم يرمل في هذا الطواف ولا سعى عليه وإن لم يكن قدم السعي رمل في هذا الطواف وسعى بعده على ما قدمناه، وقد حل له النساء، وهذا الطواف هو المفروض في الحج، ويكره تأخيره عن هذه الأيام، فإن أخره عنها لزمه دمٌ عند أبي حنيفة، ثم يعود إلى منىً فيقيم بها، فإذا زالت الشمس من اليوم الثاني من النحر رمى الجمار الثلاث يبتدئ بالتي تلي المسجد فيرميها بسبعٍ حصياتٍ يكبر مع كل حصاةٍ ويقف ويدعو عندها، ثم يرمي التي تليها مثل ذلك ويقف عندها، ثم يرمي جمرة العقبة كذلك ولا يقف عندها، فإذا كان من الغد رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس كذلك، فإذا أراد أن يتعجل النفر نفر إلى مكة، وإن أراد أن يقيم رمى الجمار الثلاث في يوم الرابع بعد زوال الشمس، فإن قدم الرمي في هذا اليوم قبل الزوال بعد طلوع الفجر جاز عند أبي حنيفة، ويكره أن يقدم الإنسان ثقله إلى مكة ويقيم بها حتى يرمي، فإذا نفر إلى مكة نزل بالمحصب، ثم طاف بالبيت سبعة أشواطٍ لا يرمل فيها، وهذا طواف الصدر، وهو واجبٌ (٤) إلا على أهل مكة، ثم يعود إلى أهله.
فإن لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفاتٍ ووقف بها على ما قدمناه فقد سقط عنه طواف القدوم ولا شيء عليه لتركه.
ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج، ومن اجتاز بعرفة وهو نائمٌ أو مغمى عليه أو لم يعلم أنها عرفة أجزأه ذلك عن الوقوف.
والمرأة في جميع ذلك كالرجل، غير أنها لا تكشف رأسها، وتكشف وجهها، ولا ترفع صوتها بالتلبية، ولا ترمل في الطواف، ولا تسعى بين الميلين، ولا تحلق رأسها، ولكن تقصر.
--------------------------
(١) في الصحيحين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت وروى أبو الوليد الأزرقي في تاريخ مكة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما دخل مكة لم يلو على شيء ولم يعرج ولا بلغنا أنه دخل بيتاً ولا نها بشيء حتى دخل المسجد فبدأ بالبيت فطاف به ويستحب أن يقول عند دخوله اللّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ويستحب أن يفعل لدخول مكة لحديث ابن عمر كان صلى اللّه عليه وسلم لا يقدم مكة إلا يأت بذى طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهاراً ويستحب للحائض والنفساء كما في غسل الإحرام ويستحب أن يكون الدخول من ثنية كفراء ولا نصرة أن يدخلها ليلاً أو نهاراً وقد فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم كلا منهما وما روى أن ابن عمر نهى عن الدخول ليلاً فإنما كان شفقة على الحجاج من السراق. وينبغي أن يقول عند دخوله هذا الدعاء المأثور اللّهم أنت ربي وأنا عبدك جئت لأؤدي فرضك وأطلب رحمتك وألتمس رضاك متبعاً لأمرك راضياً بقضائك. أسألك مسألة المضطرين المشفعين من عذابك أن تستقبلني اليوم بعفوك وتحفظني برحمتك وتتجاوز عني بمغفرتك وتعينني على أداء فرضك. اللّهم افتح لي أبواب رحمتك وأدخلني فيها وأعذني من الشيطان الرجيم. كتب اللّه لنا زيارة البيت دائماً.
(٢) وهذه إحدى خطب الحج الثلاث والثانية بعرفات يوم عرفة والثالثة بمنى يوم الحادي عشر.