اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٧١
(وإذا اختلف المتبايعان في البيع) أي في ثمن المبيع (فادعى أحدهما) أي المشتري (ثمنا وادعى البائع أكثر منه، أو) في قدره، بأن (اعترف البائع بقدر من المبيع وادعى المشتري أكثر منه) أي: بأكثر من القدر الذي اعترف به البائع (وأقام أحدهما) أي: البائع والمشتري (البينة) على دعواه (قضى له بها)، لأن في الجانب الآخر مجرد الدعوى، والبينة أقوى منها (وإن أقام كل واحد منهما البينة) على دعواه (كانت البينة المثبتة للزيادة أولى)، لأنها أكثر بياناً وإثباتاً، فبينة البائع أولى لو الاختلاف في الثمن، وبينة المشتري لو في قدر المبيع، ولو اختلفا في الثمن والمبيع جميعاً فبينة البائع أولى في الثمن، وبينة المشتري في المبيع، نظراً إلى زيادة الإثبات (فإن لم يكن لكل واحد منهما بينة) تثبت مدعاه (قيل للمشتري: إما أن ترضى بالثمن الذي ادعاه البائع وإلا فسخنا البيع) بينكما (وقيل للبائع: إما أن تسلم ما) أي القدر الذي ادعاه المشتري من البيع وإلا فسخنا البيع)؛ لأن المقصود قطع المنازعة، وهذا جهة فيه؛ لأنه ربما لا يرضيان بالفسخ، فإذا علما به يتراضيان (فإن لم يتراضيا) والمبيع قائم (استحلف الحاكم كل واحد منهما على دعوى الآخر)؛ لأن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه (يبتدئ) الحاكم (بيمين المشتري) قال في الهداية: وهذا قول محمد وأبي يوسف آخراً، وهو رواية عن أبي حنيفة، وهو الصحيح، اهـ. وقال الإسبيجاني: يبدأ بيمين المشتري، وفي رواية بيمين البائع، وهكذا ذكر أبو الحسن في جامعه، والصحيح الرواية الأولى، وعليه مشى الأئمة المصححون، تصحيح (فإذا حلفا فسخ القاضي البيع بينهما)؛ لأنه إذا تحالفا بقي العقد بلا بدل معين فيفسد، قال في الهداية: وهذا يدل على أنه لا ينفسخ بنفس التحالف؛ لأنه لم يثبت ما ادعاه كل واحد منهما، فيبقى بيع مجهول فيفسخه القاضي قطعاً للمنازعة، أو يقال: إذا لم يثبت البدل يبقى بيعاً بلا بدل وهو فاسد، ولابد من الفسخ في فاسد البيع، اهـ (وإن نكل أحدهما عن اليمين لزمه دعوى الآخر)، لأنه جعل باذلا فلم تبق دعواه معارضة لدعوى الاخر؛ فلزمه القول بثبوته، هداية.
(وإن اختلفا في الأجل، أو في شرط الخيار، أو في استيفاء بعض الثمن - فلا تحالف بينهما)؛ لأن هذا اختلاف في غير المعقود عليه والمعقود به، فأشبه الاختلاف في الحط والإبراء، وهذا لأن بانعدامه لا يختل ما به قوام العقد، بخلاف الاختلاف في وصف الثمن وجنسه حيث يكون بمنزلة الاختلاف في القدر في جريان التحالف، لأن ذلك يرجع إلى نفس الثمن، فإن الثمن دين، وهو يعرف بالوصف، ولا كذلك الأجل؛ لأنه ليس بوصف، ألا ترى أن الثمن موجود بعد مضيه، هداية (والقول قول من ينكر الخيار والأجل) والاستيفاء (مع يمينه)؛ لأن القول قول المنكر.
(وإن هلك المبيع) أي بعد القبض قبل نقد الثمن، وكذا إذا خرج من ملكه أو صار بحال لا يقدر على رده بالعيب (ثم اختلفا) في ثمنه (لم يتحالفا عند أبي حنيفة وأبي يوسف)؛ لأن التحالف فيما إذا كانت السلعة قائمة عرف بالنص، والتحالف فيه يفضي إلى الفسخ، ولا كذلك بعد هلاكها، لارتفاع العقد؛ فلم يكن بمعناه (وجعل القول قول المشتري) بيمينه؛ لأنه منكرٌ لزيادة الثمن (وقال محمد: يتحالفان ويفسخ البيع على قيمة الهالك)؛ لأنه اختلاف في ثمن عقد قائم بينهما، فأشبه حال بقاء السلعة، قال جمال الإسلام: والصحيح قولهما، وعليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما كما هو الرسم، تصحيح.
(وإن) هلك بعض المبيع، كأن (هلك أحد العبدين) أو الثوبين، أو نحو ذلك (ثم اختلفا في الثمن لم يتحالفا عند أبي حنيفة)؛ لما مر من أن التحالف ثبت على خلاف القياس حال قيام السلعة، وهي اسم لجميع أجزائها، فلا يبقى بفوات بعضها (إلا أن يرضى البائع أن يترك حصة الهالك) أصلا، لأنه حينئذ يكون الثمن كله بمقابله القائم ويخرج الهالك عن العقد؛ فيتحالفان. (وقال أبو يوسف: يتحالفان ويفسخ البيع في الحي وقيمة الهالك) لأن امتناع التحالف للّهلاك، فيتقدر بقدره (وهو قول محمد).
قال الإسبيجاني: هكذا ذكر هنا، وذكر في الجامع الصغير: أن القول قول المشتري في حصة الهالك، ويتحالفان على الباقي عند أبي يوسف، وعند محمد يتحالفان عليهما؛ ويرد القائم وقيمة الهالك، والصحيح قول أبي حنيفة، وعليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما، تصحيح.