اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٢٤
(والتعزير) لغة: التأديب، وشرعا: تأديب دون الحد؛ كما أشار إليه بقوله (أكثره تسعة وثلاثون سوطا، وأقله ثلاث جلدات)، لأن حد الرقيق في القذف أربعون فينقص منه سوطا لئلا يبلغ الحد، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد (وقال أبو يوسف: يبلغ بالتعزير خمسة وسبعين سوطا) قال في الهداية: والأصل فيه قوله صلى اللّه عليه وسلم : (من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين) فأبو حنيفة ومحمد نظرا إلى أن أدنى الحد وهو حد العبد في القذف أربعون فنقصا منه سوطا، وأبو يوسف اعتبر أقل الحد في الأحرار إذ الأصل هو الحرية، ثم نقص سوطا في رواية عنه، وهو قول زفر، وهو القياس، وفي هذه الرواية نقص خمسة، وهو مأثور عن علي رضي اللّه عنه، فقلده، ثم قدر الأدنى في الكتاب بثلاث جلدات، لأن ما دونها لا يقع به الزجر، وذكر مشايخنا أن أدناه على ما يراه الإمام يقدره بقدر ما يعلم أنه ينزجر، لأنه يختلف باختلاف الناس، هداية. وفي المجتبى: ويكون بالحبس، وبالصفع على العنق، وفرك الأذن، وبالكلام العنيف، وبنظر القاضي له بوجه عبوس، ويشتم غير القذف، ثم قال: وعن السرخسي لا يباح بالصفع؛ لأنه من أعلى ما يكون من الاستخفاف فيصان عنه أهل القبلة، اهـ (وإن رأى الإمام أن يضم إلى الضرب في التعزير الحبس فعل)، لأن المقصود الزجر والتأديب، فإذا رأى الإمام حصوله بالضرب اكتفى به، وإلا ضم إليه ما يراه من الحبس والنفي كما مر.
(وأشد الضرب التعزير)، لأنه خفف من حيث العدد فيغلظ من حيث الوصف لئلا يؤدي إلى فوت المقصود، ولهذا لم يخفف من حيث التفريق على الأعضاء كما في الهداية (ثم حد الزنا)، لأنه أعظم جناية حتى شرع فيه الرجم (ثم حد الشرب) لأن سببه متيقن (ثم حد القذف)، لأن سببه محتمل لاحتمال صدقه.
(ومن حده الإمام أو عزره فمات) منه (فدمه هدر) لأنه فعل ما فعل بأمر الشرع، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة كالفصاد والبزاغ، بخلاف الزوج إذا عزر زوجته، لأنه مطلق فيه والإطرقات تتقيد بشرط السلامة كالمرور في الطريق، هداية.
(وإذا حد المسلم في القذف سقطت شهادته وإن تاب) لقوله تعالى: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا
والاستثناء في الآية عائد إلى ما يليه، وتمامه في الهداية في الشهادات (وإن حد الكافر في القذف ثم أسلم قبلت شهادته) لأن هذه الشهادة استفادها بعد الإسلام فلم تدخل تحت الرد، بخلاف العبد إذا حد حد القذف، ثم أعتق لا تقبل شهادته، لأنه لا شهادة له أصلا في حال الرق، فكان رد شهادته بعد العتق من تمام حده، هداية.
٢ كتاب السرقة
- إذا سرق العاقل البالغ عشرة دراهم، أو ما قيمته عشرة دراهم، مضروبةً أو غير مضروبةٍ، من حرزٍ لا شبهة فيه، وجب عليه القطع، والعبد والحر في القطع سواءٌ.
ويجب القطع بإقراره مرةً واحدةً، أو بشهادة شاهدين.
وإذا اشترك جماعةٌ في سرقةٍ فأصاب كل واحدٍ منهم عشرة دراهم قطع، وإن أصابه أقل من ذلك لم يقطع،
ولا يقطع فيما يوجد تافهاً مباحاً في دار الإسلام، كالخشب، والقصب؛ والحشيش، والسمك، والصيد، وكذلك فيما يسرع إليه الفساد، كالفواكه الرطبة، واللبن، واللحم، والبطيخ، والفاكهة على الشجر، والزرع الذي لم يحصد، ولا قطع في الأشربة المطربة، ولا في الطنبور، ولا في سرقة المصحف وإن كان عليه حلية ولا في الصليب الذهب، ولا في الشطرنج ولا النرد، ولا قطع على سارق الصبي الحر وإن كان عليه حليٌ، ولا قطع في سرقة العبد الكبير، ويقطع في سرقة العبد الصغير، ولا قطع في الدفاتر كلها إلا في دفاتر الحساب، ولا قطع في سرقة كلبٍ، ولا فهدٍ، ولا دفٍ، ولا طبلٍ، ولا مزمارٍ، ويقطع في الساج والقنا والآبنوس والصندل، وإذا اتخذ من الخشب أوانٍ أو أبوابٌ قطع فيها،
ولا قطع على خائنٍ ولا خائنةٍ، ولا نباشٍ، ولا منتهبٍ، ولا مختلسٍ.