اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢٣٧
(وأما شركة الصنائع) وتسمى التقبل، والأعمال، والأبدان (فالخياطين والصباغان) مثلا، أو خياط وصباغ (يشتركان على أن يتقبلا الأعمال ويكون الكسب) الحاصل (بينهما، فيجوز ذلك)؛ لأن المقصود منه التحصيل، وهو ممكن بالتوكيل، لأنه لما كان وكيلا في النصف أصيلا في النصف تحققت الشركة في المال المستفاد، ولا يشترط فيه اتحاد العمل والمكان، ولو شرطا العمل نصفين والمال أثلاثا جاز، لأن ما يأخذه ليس بربح، بل بدل عمل، فصح تقويمه، وتمامه في الهداية (وما يتقبله كل واحد منهما من العمل يلزمه ويلزم شريكه) حتى أن كل واحد منهما يطالب بالعمل، ويطالب بالأجر، ويبرأ الدافع بالدفع إليه، وهذا ظاهر في المفاوضة، وفي غيرها استحسان. هداية (فإن عمل أحدهما دون الآخر فالكسب بينهما نصفان) إن كان الشرط كذلك، وإلا فكما شرطا.
(وأما شركة الوجوه) سميت بذلك لأنه لا يشتري إلا من له وجاهة عند الناس (فالرجلان يشتركان ولا مال لهما على أن يشتريا) نوعا أو أكثر (بوجوهها) نسيئة (ويبيعا) فما حصل بالبيع يدفعان منه ثمن ما اشتريا، وما بقي بينهما (فتصح الشركة على هذا) المنوال (وكل واحد منهما وكيل الآخر فيما يشتريه) لأن التصرف على الغير لا يجوز إلا بوكالة أو ولاية؛ ولا ولاية فتتعين الأولى (فإن شرطا أن يكون المشتري بينهما نصفين فالربح كذلك) بحسب الملك (ولا يجوز أن يتفاضلا فيه) أي الربح مع التساوي في الملك؛ لأن الربح في شركة الوجوه بالضمان، والضمان بقدر الملك في المشتري؛ فكان الربح الزائد عليه ربح ما لم يضمن، فلا يصح اشتراطه (وإن شرطا أن يكون المشترى بينهما أثلاثاً فالربح كذلك) لما قلناه.
(ولا تجوز الشركة في) تحصيل الأشياء المباحة مثل (الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد) وكل مباح، لأن الشركة متضمنة معنى الوكالة، والتوكيل في أخذ المباح باطل، لأن أمر الموكل به غير صحيح، والوكيل يملكه بغير أمره فلا يصلح نائبا عنه (وما اصطاده كل واحد منهما أو احتطبه) أو احتشه (فهو له دون صاحبه)؛ لثبوت الملك في المباح بالأخذ، فإن أخذاه معاً فهو بينهما نصفين؛ لاستوائهما في سبب الاستحقاق، وإن أخذه أحدهما ولم يعمل الآخر شيئاً فهو للعامل، وإن عمل أحدهما وأعانه الآخر بأن حمله معه أو حرسه له فللمعين أجر مثله لا يجاوز به نصف ثمن ذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد بالغاً ما بلغ.
(وإذا اشتركا ولأحدهما بغل) مثلا (وللآخر راوية) وهي المزادة من ثلاثة جلود، وأصلها بعير السقاء؛ لأنه يروى الماء أي يحمله، مغرب (يستقي عليها الماء، والكسب بينهما لم تصح الشركة)؛ لانعقادها على إحراز المباح وهو الماء، (والكسب) الحاصل (كله للذي استقى) الماء؛ لأنه بدل ما ملكه بالإحراز (وعليه مثل أجر الراوية إن كان) المستقى (صاحب البغل، وإن كان) المستقى (صاحب الراوية فعليه أجر مثل البغل) لاستيفائه منافع ملك الغير - وهو البغل أو الراوية - بعقد فاسد؛ فيلزمه أجره.
(وكل شركة فاسدة فالربح فيها على قدر المال، ويبطل شرط التفاضل) لأن الربح تابع للمال كالريع، ولم يعدل عنه إلا عند صحة التسمية، ولم تصح الشركة؛ فلم تصح التسمية.