اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٣٥١
هو لغة: مصدر لاعن كقاتل، ومن اللعن وهو الطرد والإبعاد، سمى به لا بالغضب - للعنه نفسه أولا، والسبق من أسباب الترجيح، وشرعاً: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن من جهة وبالغضب من أخرى، قائمة مقام حد القذف في حقه، ومقام حد الزنا في حقها؛ كما أشار إلى ذلك بقوله: (إذا قذف الرجل امرأته بالزنا) صريحا (وهما) أي الزوجان (من أهل الشهادات) على المسلم (و) كانت (المرأة ممن يحد قاذفها) لأنه قائم في حقه مقام حد القذف فلابد من إحصانها (أو نفى نسب ولدها) منه أو من غيره، لأنه إذا نفى نسب ولدها صار قاذفا لها ظاهراً (وطالبته بموجب القذف) لأنه حقها، فلابد من طلبها كسائر الحقوق، فلو لم تطالبه وسكنت لا يبطل حقها، ولو طالت المدة، لأن طول المدة لا يبطل حقوق العباد (فعليه اللعان) إن عجز عن البرهان (فإن امتنع منه حبسه الحاكم حتى يلاعن) فيبرأ (أو يكذب نفسه فيحد) لأن اللعان خلف عن الحد، فإذا لم يأت بالخلف وجب عليه الأصل (فإن لاعن) الزوج (وجب عليها اللعان) بعده؛ لأنه المدعي فيطلب منه الحجة أولا، فلو بدأ بلعانها أعادت بعده، فلو فرق قبل الإعادة صح، لحصول المقصود كما في الدر (فإن امتنعت) المرأة (حبسها الحاكم حتى تلاعن أو تصدقه) قال الزيلعي: وفي بعض نسخ القدوري (أو تصدقه فتحد) وهو غلط، لأن الحد لا يجب بالإقرار مرة، فكيف يجب بالتصديق مرة؟ وهو لا يجب بالتصديق أربع مرات، لأن التصديق ليس بإقرار قصداً، فلا يعتبر في حق وجوب الحد، ويعتبر في درئه، فيندفع به اللعان، ولا يجب به الحد، وينتفي النسب، لأنه إنما ينقطع حكما باللعان، ولم يوجد، وهو حق الولد، فلا يصدقان في إبطاله وبه يظهر عدم صحة قول صدر الشريعة (فينتفي نسب ولدها) درر. قال شيخنا: وقد يجاب بأن مراد القدوري بالتصديق الإقرار بالزنا، لا مجرد قولها (صدقت) واكتفى عن ذكر التكرار اعتمادا على ما ذكره في بابه. اهـ.
(وإذا كان الزوج) غير أهل للشهادة: بأن كان (عبداً أو كافراً أو محدوداً في قذف) وكان أهلا للقذف بأن كان بالغاً عاقلاً ناطقاً (فقذف امرأته فعليه الحد) والأصل أن اللعان إذا سقط لمعنى من جهته فلو قذف صحيحاً حد، وإلا فلا حد ولا لعان، كما في الدر.
(وإن كان) الزوج (من أهل الشهادة وهي) غير أهلٍ لها، لأنها (أمة أو كافرة أو محدودة في قذف) أو صبية أو مجنونة (أو كانت ممن لا يحد قاذفها) بأن كانت زانية أو موطوءة بشبهة أو نكاحٍ فاسدٍ (فلا حد عليه في قذفها) كما لو قذفها أجنبي (ولا لعان)، لأن خلفه، ولكنه يعزر، حسما لهذا الباب.
(وصفة اللعان) ما نطق به القرآن، وحاصله (أن يبتدئ القاضي بالزوج فيشهد) على نفسه (أربع مرات يقول في كل مرة: أشهد باللّه إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا) وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يأتي بلفظ المواجهة، فيقول: فيما رميتك به، لأنه أقطع للاحتمال، وجه ما ذكره في الكتاب - وهو ظاهر الرواية - أن لفظ الغائب إذا انضمت إليه الإشارة انقطع الاحتمال، كما في الهداية (ثم يقول في الخامسة: لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا) إن قذفها به، أو نفى الولد إن نفاه وفي النظم يقول له القاضي: اتق اللّه فإنها موجبة (ويشير) الزوج (إليها في جميع ذلك، ثم تشهد المرأة) بعده على نفسها (أربع مرات) أيضاً (تقول في كل مرة: أشهد باللّه إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: إن غضب اللّه عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا)، وإنما خص الغضب في جانبها لأن النساء يتجاسرن باللعن، فإنهن يستعملن اللعن في كلامهن كثيراً، كما ورد به الحديث، فاختير الغضب لتتقي ولا تقدم عليه.