اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ١٨٨
ولا يجوز التصرف في ثمن الصرف قبل قبضه، ويجوز بيع الذهب بالفضة مجازفةً، ومن باع سيفاً محلىً بمائة درهمٍ وحليته خمسون درهماً فدفع من ثمنه خمسين جاز البيع، وكان المقبوض حصة الفضة، وإن لم يبين ذلك، وكذلك إن قال: خذ هذه الخمسين من ثمنهما، فإن لم يتقابضا حتى افترقا بطل العقد في الحلية والسيف إن كان لا يتخلص إلا بضررٍ، وإن كان يتخلص بغير ضررٍ جاز البيع في السيف وبطل في الحلية، ومن باع إناء فضةٍ ثم افترقا وقد قبض بعض ثمنه بطل العقد فيما لم يقبض، وصح فيما قبض، وكان الإناء مشتركاً بينهما، وإن استحق بعض الإناء كان المشتري بالخيار: إن شاء أخذ الباقي بحصته من الثمن، وإن شاء رده، وإن باع قطعة نقرةٍ فاستحق بعضها أخذ ما بقي بحصته، ولا خيار له، ومن باع درهمين وديناراً بدينارين ودرهمٍ جاز البيع وجعل كل واحدٍ من الجنسين بالجنس الآخر، ومن باع أحد عشر درهما بعشرة دراهم ودينارٍ جاز البيع، وكانت العشرة بمثلها، والدينار بدرهمٍ، ويجوز بيع درهمين صحيحين ودرهمٍ غلة بدرهمٍ صحيحٍ ودرهمين غلةً، وإذا كان الغالب على الدراهم الفضة فهي فضة، وإن كان الغالب على الدنانير الذهب فهي ذهبٌ، ويعتبر فيهما من تحريم التفاضل ما يعتبر في الجياد، وإن كان الغالب عليهما الغش فليسا في حكم الدراهم والدنانير، فإذا بيعت بجنسها متفاضلاً جاز، وإذا اشترى بها سلعةً ثم كسدت وترك الناس المعاملة بها بطل البيع عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: عليه قيمتها يوم البيع، وقال محمدٌ: عليه قيمتها آخر ما تعامل الناس بها، ويجوز البيع بالفلوس النافقة وإن لم تتعين، وإن كانت كاسدةً لم يجز البيع بها حتى يعينها، وإذا باع بالفلوس النافقة ثم كسدت بطل البيع عند أبي حنيفة.
ومن اشترى شيئاً بنصف درهمٍ فلوساً جاز البيع وعليه ما يباع بنصف درهمٍ من الفلوس، ومن أعطى الصيرفي درهما وقال: أعطني بنصفه فلوساً، وبنصفه نصفاً إلا حبة فسد البيع في الجميع عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: جاز البيع في الفلوس، وبطل فيما بقي، ولو قال: "أعطني نصف درهمٍ فلوساً ونصفاً إلا حبةً" جاز البيع، وكانت الفلوس والنصف إلا حبةً بدرهمٍ.
--------------------------
كتاب الصرف
لما كان البيع بالنظر إلى المبيع أربعة أنواع: بيع العين بالعين، والعين بالدين، والدين بالعين، والدين بالدين. وبين الثلاثة الأول - شرع في بيان الرابع، فقال:
(الصرف هو البيع إذا كان كل واحد من عوضيه من جنس الأثمان) الذهب والفضة (فإن باع فضة بفضة أو ذهبا بذهب لم يجز إلا مثلا بمثل) أي متساوياً وزناً (وإن اختلفا في الجودة والصياغة) لما مر في الربا من أن الجودة إذا لاقت جنسها فيما يثبت فيه الربا لا قيمة لها (ولا بد) لبقائه على الصحة (من قبض العوضين قبل الافتراق) بالأبدان، حتى لو ذهبا عن المجلس يمشيان معاً في جهة واحدة أو ناما في المجلس أو أغمى عليهما لا يبطل الصرف، هداية (وإذا باع الذهب بالفضة جاز التفاضل) لاختلاف الجنس (ووجب التقابض) لحرمة النساء (وإن افترقا في الصرف قبل قبض العوضين أو أحدهما بطل العقد) لفوات شرط الصحة - وهو القبض قبل الافتراق - ولهذا لا يصح شرط الخيار فيه؛ لأنه لا يبقى القبض مستحقاً، ولا الأجل، لفوات القبض. فإن أسقط الخيار أو الأجل من هوله قبل الافتراق عاد جائزاً؛ لارتفاعه قبل تقرر الفساد، بخلافه بعد الافتراق؛ لتقرره.
(ولا يجوز التصرف في ثمن الصرف قبل قبضه) لما مر أن القبض شرط لبقائه على الصحة، وفي جواز التصرف فيه قبل قبضه فواته.
(ويجوز بيع الذهب بالفضة مجازفة)؛ لأن المساواة فيه غير مشروطة، لكن بشرط التقابض في المجلس.
(ومن باع سيفاً محلى) بفضة (بمائة درهم) فضة (وحليته خمسون درهما فدفع) المشتري (من ثمنه خمسين) درهما (جاز البيع، وكان المقبوض حصة الفضة) التي هي الحلية (وإن لم يبين) المشتري (ذلك)؛ لأن قبض حصتها في المجلس واجب لكونه بدل الصرف، والظاهر من حاله أنه يأتي بالواجب (وكذلك إن قال: خذ هذه الخمسين من ثمنهما) تحريا للجواز؛ لأنه يذكر الاثنان ويراد به الواحد كما في قوله تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان