اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٢٧
الآية، ولا يد من اعتبار العقل والبلوغ، لأن القطع جزاء الجناية، وهي لا تتحقق بدونهما. قيدنا بالنطق لأن الأخرس لا يقطع؛ لاحتمال نطقه بشبهة، وبالبصير لأن الأعمى لا يقطع للشبهة وبالاشتباه عليه، وقيد بعشرة دراهم لأن النص الوارد في حق السرقة مجمل في حق القيمة، وقد ورد في السنة بيانه في الجملة بثمن لمجن، وقال أصحابنا: المجن الذي قطعت فيه اليد على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يساوي عشرة دراهم، وعمم في الدراهم بقوله (مضروبة أو غير مضروبة) وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، ولكن ظاهر الرواية يشترط المضروب، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وهو الأصح؛ لأن اسم الدرهم يطلق على المضروب عرفا، وظاهر كلام الهداية يدل على أن عبارة المصنف مقيدة بالمضروبة حيث قال: وقد تأيد ذلك بقوله صلى اللّه عليه وسلم (لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم) واسم الدراهم يطلق على المضروبة، فهذا يبين لك اشتراط المضروب كما قال في الكتاب، وهو ظاهر الرواية وهو الأصح رعاية لكمال الجناية، حتى لو سرق عشرة تبراً قيمتها أنقص من عشرة مضروبة لا يجب القطع، اهـ. وتبعه في هذا الكمال في الفتح قائلا: كما ذكره القدوري، لكن في غاية البيان بعد نقله كلام الهداية: وهذا صحيح، لكن في نقله عن القدوري نظر، لأن الشيخ أبا نصر الأقطع ذكر في الشرح - وهو تلميذ القدوري - رواية المختصر، ولم يقيد بالمضروبة؛ بل أثبت الرواية بقوله (مضروبة أو غير مضروبة) ثم قال: أما قول صاحب الكتاب (عشرة دراهم مضروبة أو غير مضروبة) فهو قول أبي حنيفة، ثم قال: وروى بشر عن أبي يوسف وابن سماعة عن محمد فيمن سرق عشرة دراهم تبراً لا يقطع، اهـ، وقوله (أو ما يبلغ قيمته عشرة دراهم) إشارة إلى أن غير الدرهم يعبر قيمته بها وإن كان ذهباً، كما في الهداية. وقيد بالحرز، لأن الاستسرار لا يتحقق دونه، ويشترط أن يكون الحرز واحدا، فلو سرق نصابا من حرزين مختلفين لا يقطع، وشرط عدم الشبهة لأن الشبهة دارئة للحد، وكذا التأويل كما يأتي، وقيدنا بمرة واحدة، لأنه لو سرق نصابا واحدا من حرز واحد بمرتين فأكثر لا يقطع (والعبد والحر في القطع سواء)؛ لأن التصنيف متعذر فيتكامل الجزاء، صيانة لأموال الناس.
(ويجب القطع بإقراره مرة واحدة) قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يقطع إلا بإقرار مرتين، ويروى عنه أنهما في مجلسين مختلفين، اهـ. قال في التصحيح: وتقدم تصحيح الإسبيجاني لقولهما، وعليه اعتمد الأئمة كما هو الرسم (أو بشهادة شاهدين) لتحقق الظهور كما في سائر الحقوق، ويسألهما الإمام: كيف هي؟ وما هي؟ ومتى هي؟ وأين هي؟ وكم هي؟ وممن سرق؟ لزيادة الاحتياط، واحتيالا للدرء كما مر في الحدود، وكذا يسأل المقر عن الكل إلا الزمان، وما في الفتح (إلا المكان) تحريف كما في النهر.
(وإذا اشترك جماعة في سرقة فأصاب كل واحد منهم) بالقسمة على السوية (عشرة دراهم) أو ما تبلغ قيمته ذلك (قطع) الجميع، وإن كان الآخذ بعضهم، لوجود الأخذ من الكل معنى، لأن المعتاد أن يتولى الأخذ بعضهم ويستعد الباقون للدفع (وإن أصابه): أي كل واحد منهم (أقل من ذلك لم يقطع) واحد منهم، "لأن الموجب له سرقة النصاب، ويجب القطع على كل واحد بجنايته، فيعتبر كمال النصاب في حقه.