اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ١٧٧
(ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن النجش) وهو: أن يزيد في الثمن ولا يريد به الشراء ليرغب غيره (وعن السوم على سوم غيره) وعن الخطبة على خطبة غيره، لما في ذلك من الإيحاش والإضرار، وهذا إذا تراضى المتعاقدان على مبلغ المساومة فإذا لم يركن أحدهما إلى الآخر - وهو بيع من يزيد - فلا بأس به على ما نذكره، وما ذكرناه هو محمل النهي في النكاح، هداية (وعن تلقي الجلب): أي المجلوب، أو الجالب، وهذا إذا كان يضر بأهل البلد، فإن كان لا يضر فلا بأس به إلا إذا لبس السعر على الواردين لما فيه من الغرر والضرر (وبيع الحاضر) وهو المقيم في المصر والقرى (للبادي) وهو المقيم في البادية، لأن فيه إضراراً بأهل البلد، وفي الهداية تبعاً لشرح الطحاوي: وصورته أن يكون أهل البلد في قحط وهو يبيع من أهل البدو طمعاً في الثمن الغالي، اهـ. وعلى هذا اللام بمعنى "من" أي: من البادي، وقال الحلواني: صورته أن يجيء البادي بالطعام إلى المصر، فلا يتركه السمسار الحاضر يبيعه بنفسه، بل يتوكل عنه ويبيعه ويغلي على الناس، ولو تركه لرخص على الناس، وعلى هذا قال في المجتبى: هذا التفسير أصح، كذا في الفيض (وعن البيع عند أذان الجمعة) الأول، وقد خص منه من لا جمعة عليه، فتح (٣)، (وكل ذلك) المذكور من قوله "ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم" إلى هنا (يكره) تحريماً، لصريح النهي (ولا يفسد به العقد) فيجب الثمن، لا القيمة، ويثبت الملك قبل القبض، لأن النهي ورد لمعنى خارج عن صلب العقد مجاور له، لا لمعنى في صلب العقد ولا في شرائط الصحة، فأوجب الكراهة، لا الفساد، والمراد من صلب العقد البدل والمبدل، كذا في غاية البيان.
(ومن ملك) بأي سبب كان (مملوكين صغيرين أحدهما ذو رحم محرم من الآخر) من الرحم، وبه خرج المحرم من الرضاع إذا كان رحماً كابن العم هو أخ رضاعا (لم يفرق بينهما) ببيع ونحوه، وعبر بالنفي مبالغة في المنع عنه (وكذلك إن كان أحدهما كبيراً والآخر صغيرا) لأن الصغير يستأنس بالصغير والكبير، والكبير يتعاهده، فمكان في أحدهما قطع الاستئناس والمنع من التعاهد، وفيه ترك المرحمة على الصغار، وقد أوعد عليه، ثم المنع معلول بالقرابة المحرمة للنكاح، حتى لا يدخل فيه محرم غير قريب ولا قريب غير محرم ولا الزوجان حتى جاز التفريق بينهما؛ لأن النص ورد بخلاف القياس فيقتصر على مورده، ولابد من اجتماعهما في ملكه، حتى لو كان أحدهما له والآخر لغيره، لا بأس ببيع واحد منهما، ولو كان التفريق بحق مستحق فلا بأس به: كدفع أحدهما بالجناية، وبيعه بالدين، ورده بالعيب، لأن المنظور إليه دفع الضرر عن غيره، لا الإضرار به، كذا في الهداية (فإن فرق بينهما كره له ذلك) لما قلناه (وجاز البيع)؛ لأن ركن البيع صدر من أهله في محله، وإنما الكراهة لمعنى مجاور، فشابه كراهة الاستيام، هداية (وإن كان كبيرين فلا بأس بالتفريق بينهما)؛ لأنه ليس في معنى ما ورد به النص، وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام "فرق بين مارية وسيرين"، وكانتا أمتين أختين (٤)، هداية.
--------------
(١) من حق العربية أن يقول "المسومة" مثل المقولة، والفعل سامها يسومها.
(٢) يريد ما ذكره في النوع الذي قبله، من أن هذا شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين.
(٣) في نسخة (منح)
(٤) أهديتا إليه، فأعطى سيرين لحسان بن ثابت، واستبقى مارية وهي أم إبراهيم.
--------------------------
٣ باب الإقالة
- الإقالة جائزةٌ في البيع بمثل الثمن الأول، فإن شرط أقل منه أو أكثر فالشرط باطلٌ، ويرد مثل الثمن الأول، وهي فسخٌ في حق المتعاقدين بيعٌ جديدٌ في حق غيرهما في قول أبي حنيفة، وهلاك الثمن لا يمنع صحة الإقالة، وهلاك المبيع يمنع منها، فإن هلك بعض المبيع جازت الإقالة في باقيه.
--------------------------
باب الإقالة
(الإقالة): مصدر أقاله، وربما قالوا: قاله البيع - بغير ألف - وهي لغة قليلة، مختار، وهي لغةً: الرفع، وشرعا: رفع العقد، جوهرة.