اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٦٤
(فإذا صحت الدعوى) من المدعي (سأل القاضي المدعى عليه عنها) لينكشف له وجه الحكم (فإن اعترف) بدعواه (قضى عليه بها)؛ لأنه غير متهم في حق نفسه (وإن أنكر سأل المدعي البينة)؛ لإثبات ما ادعاه (فإن أحضرها قضى بها) لظهور صدقها (وإن عجز عن ذلك وطلب يمين خصمه استحلف) القاضي (عليها) ولابد من طلبه؛ لأن اليمين حقه، وأجمعوا على التحليف بلا طلب في دعوى الدين على الميت، كما في الدر وغيره.
(فإن قال المدعي: لي بينة حاضرة) يعني في المصر (وطلب اليمين لم يستحلف عند أبي حنيفة) وقال أبو يوسف: يستحلف، لأن اليمين حقه، فإذا طالبه به يجيبه. ولأبي حنيفة أن ثبوت الحق في اليمين مرتبٌ على العجز عن إقامة البينة، فلا يكون حقه دونه، كما إذا كانت البينة حاضرة في المجلس، ومحمد مع أبي يوسف فيما ذكر الخصاف، ومع أبي حنيفة فيما ذكر الطحاوي كما في الهداية، وفي التصحيح: قال جمال الإسلام: الصحيح قول أبي حنيفة، وعليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما، اهـ. قيد بحضورها لأنها لو كانت عائبة حلف اتفاقا، وقدر الغيبة في المجتبى بمسيرة السفر.
(ولا ترد اليمين على المدعي) لحديث: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)، وحديث الشاهد واليمين ضعيف، بل رده ابن معين، بل أنكره الراوي كما في الدر عن العيني.
(ولا تقبل بينة صاحب اليد في الملك المطلق)؛ لأنها لا تفيد أكثر مما تفيده اليد، فلو أقام الخارج البينة كانت بينته أولى؛ لأنها أكثر إثباتاً؛ لأنها تظهر الملك له، بخلاف ذي اليد فإن ظاهر الملك ثابت له باليد؛ فلم تثبت له شيئا زائداً. قيد بالملك المطلق احترازا عن المقيد بدعوى النتاج، وعن المقيد بما إذا ادعيا تلقى الملك من واحد وأحدهما قابض، أو ادعيا الشراء من اثنين، وأرخا وتأريخ ذي اليد أسبق؛ فإنه - في هذه الصور - تقبل بينة ذي اليد بالإجماع، وتمامه في العناية.
(وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين قضى عليه بالنكول ولزمه ما ادعى عليه)؛ لأن النكول دل على كونه باذلا عنده أو مقرا عندهما؛ إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين إقامة للواجب ودفعاً للضرر عن نفسه، فيرجح هذا الجانب (و) لكن (ينبغي للقاضي أن) ينذر المدعى عليه؛ بأن (يقول له: إني أعرض عليك اليمين ثلاثاً، فإن حلفت) فيها (وإلا قضيت عليك بما ادعاه) خصمك، وهذا الإنذار لإعلامه بالحكم، إذ هو موضع الخفاء (فإذا كرر) القاضي (العرض) عليه (ثلاث مرات) وهو على نكوله (قضى عليه بالنكول) قال في الهداية: وهذا التكرار ذكره الخصاف لزيادة الاحتياط والمبالغة في إبلاء العذر؛ فأما المذهب فإنه لو قضى بالنكول بعد العرض مرة جاز لما قدمنا؛ هو الصحيح، والأول أولى؛ ثم النكول قد يكون حقيقياً، كقوله "لا أحلف" وقد يكون حكمياً بأن يسكت، وحكمه حكم الأول إذا علم أنه لا آفة به من طرش أو خرس، وهو الصحيح، اهـ.