اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢٦٠
(فإن وقع الصلح عن إقرار) من المدعى عليه (اعتبر فيه): أي الصلح (ما يعتبر في البياعات إن وقع) الصلح (عن مال بمال) لوجود معنى البيع - وهو مبادلة المال بالمال - في حق المتعاقدين بتراضيهما؛ فتجري فيه الشفعة إذا كان عقارا، ويرد بالعيب، ويثبت فيه خيار الشرط، ويفسده جهالة البدل؛ لأنهما هي المفضية إلى المنازعة، دون جهالة المصالح عنه؛ لأنه يسقط، ويشترط القدرة على تسليم البدل. هداية (وإن وقع) الصلح (عن مال بمنافع) كخدمة عبد وسكنى دار، وكذا لو وقع عن منفعة بمال أو بمنفعة من جنس آخر (فيعتبر) فيه ما يعتبر (بالإجارات) لوجود معنى الإجارة - وهو تمليك المنافع بمال - والاعتبار في العقود لمعانيها؛ فيشترط التوقيت فيها، ويبطل بموت أحدهما في المدة؛ لأنه إجارة. هداية.
(و) أما (الصلح) الواقع (عن السكوت والإنكار) فهو (في حق المدعى عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة)؛ لأنه في زعمه أنه مالك لما في يده (وفي حق المدعى بمعنى المعاوضة)؛ لأنه في زعمه يأخذ عوضا من حقه؛ فيعامل كل على معتقده ويجوز أن يختلف العقد بالنسبة كما في الإقالة وقد مر (وإذا صالح) المدعى عليه (عن دار) بإنكار أو سكوت (لم تجب فيها شفعة) لأنه يزعم أنه لم يملكها بالصلح، وقول المدعى لا ينفذ عليه (وإذا صالح) عما ادعى عليه به (على دار) له (وجبت فيها الشفعة) لأنه الآخذ يزعم أنه ملكها بعوض فتلزمه الشفعة بإقراره وإن كان المدعى عليه يكذبه.
(وإذا كان الصلح عن إقرار فاستحق بعض) المدعى به (المصالح عنه رجع المدعى عليه بحصة ذلك) المستحق (من العوض) المصالح به؛ لما مر أن الصلح مع الإقرار كالبيع، وحكم الاستحقاق في البيع كذلك (وإن وقع الصلح عن سكوت أو إنكار فاستحق المتنازع فيه) كله (رجع المدعى بالخصومة) على المستحق (ورد العوض) المصالح به؛ لأن المدعى عليه ما بذل تعوض للمدعى إلا ليدفع خصومته عن نفسه. فإذا ظهر الاستحقاق تبين أنه لا خصومة له، فيبقى العوض في يده غير مشتمل على غرضه فيسترده (وإن استحق بعض ذلك) المتنازع فيه (رد حصته ورجع بالخصومة فيه) على المستحق؛ اعتباراً للبعض بالكل (وإن ادعى) المدعي (حقاً في دار لم يبينه) بنسبة إلى جزء شائع، أو إلى جهة مخصوصة، أو مكان معين منها (فصولح من ذلك) أي عن ذلك الحق (على شيء. ثم استحق بعض الدار) المدعى فيها الحق (لم يرد شيئا من العوض) المصالح به؛ (لأن دعواه يجوز أن تكون فيما بقي) بخلاف ما إذا استحق كله؛ لأنه يعرى العوض عما يقابله.
(والصلح جائز من دعوى الأموال)، لأنه في معنى البيع كما مر (والمنافع) لأنها تملك بالإجارة فكذا بالصلح (وجناية العمد والخطأ) في النفس وما دونها أما الأول فلأنه حق ثابت في المحل؛ فجاز أخذ العوض عنه، وأما الثاني فلأن موجبه المال، فيصير بمنزلة البيع، إلا أنه لا تصح الزيادة على قدر الدية، لأنه مقدر شرعا، فلا يجوز إبطاله، فترد الزيادة، بخلاف الأول حيث تجوز الزيادة على قدر الدية، لأن القصاص ليس بمال، وإنما يقوم بالعقد (ولا يجوز) الصلح (من دعوى حد)؛ لأنه حق اللّه تعالى، ولا يجوز الاعتياض عن حق غيره.