اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٥٢٧
(ومن امتنع) من أهل الذمة (من أداء الجزية، أو قتل مسلماً) أو فتنة عن دينه أو قطع الطريق (أو سب النبي صلى اللّه عليه وسلم) أو القرآن، أو دين الإسلام (أو زنى بمسلمة لم ينقض عهده)؛ لأن كفره المقارن لم يمنع العهد، فالطارئ لا يرفعه؛ فتؤخذ منه الجزية جبراً إذا امتنع من أداء الجزية، ويستوفي منه القصاص إذا قتل، ويقام عليه الحد إذا زنى، ويؤدب ويعاقب على السبل، حاوي وغيره. واختار بعض المتأخرين قتله، وتبعه ابن الهمام، وأفتى به الخير الرملي، قال في الدر: ورأيت في معروضات المفتي أبي السعود أنه ورد أمر سلطاني بالعمل بقول أئمتنا القائلين بقتله إن ظهر أنه معتاده، وبه أفتى، وتمامه فيه (ولا ينتقض العهد) أي: عهد أهل الذمة (إلا بأن يلحق) أحدهم (بدار الحرب، أو يغلبوا على موضع فيحاربونا) لأنهم صاروا حرباً علينا فيعرى عقد الذمة عن الإفادة، وهو دفع شر الحراب؛ فينقض عهدهم، ويصيرون كالمرتدين، إلا أنه أسر واحد منهم يسترق، والمرتد يقتل، ولا يجبر على قبول الذمة، والمرتد يجبر على الإسلام.
ولما أنهى الكلام على الذمي أخذ في بيان أحكام المرتد، وهو الراجع عن الإسلام، فقال:
(وإذا ارتد المسلم عن الإسلام) والعياذ باللّه تعالى (عرض عليه الإسلام) استحبابا على المذهب؛ لبلوغه الدعوة، در (فإن كانت له شبهة كشفت له) بيان لثمرة العرض؛ إذ الظاهر أنه لا يرتد إلا من له شبهة، (ويحبس ثلاثة أيام) ندبا، وقيل: إن استمهل وجوبا، وإلا ندبا، ويعرض عليه الإسلام في كل يوم (فإن أسلم) فيها، وكذا لو ارتد ثانيا، لكنه يضرب، فإن عاد يضرب ويحبس حتى تظهر عليه التوبة، فإن عاد فكذلك، تتارخانية، قال في الهداية: وكيفية توبته أن يتبرأ عن الأديان كلها سوى الإسلام، ولو تبرأ عما انتقل إليه كفاه؛ لحصول المقصود، اهـ (وإلا) أي: وإن لم يسلم (قتل) لحديث: (من ترك دينه فاقتلوه) (فإن قتله قاتل قبل عرض الإسلام عليه كره له ذلك) تنزيهاً أو تحريما على ما مر من حكم العرض (ولا شيء على القاتل)؛ لقتله مباح الدم.
(وأما المرأة إذا ارتدت فلا تقتل)؛ لنهيه صلى اللّه عليه وسلم عن قتل النساء، من غير تفرقة بين الكافرة الأصلية والمرتدة (ولكن تحبس حتى تسلم) لإمتناعها عن إيفاء حق اللّه تعالى بعد الإقرار، فتجبر على الإيفاء بالحبس كما في حقوق العباد، هداية.
(ويزول ملك المرتد عن أمواله بردته)؛ لزوال عصمة دمه، فكذا عصمة ماله. قال جمال الإسلام: وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يزول، والصحيح قول الإمام، وعليه مشى الإمام البرهاني، والنسفي، وغيرهما، تصحيح. وإنما يزول ملكه عند أبي حنيفة (زوالا مراعى) أي موقوفا إلى أن يتبين حاله؛ لأن حاله متردد بين أن يسلم فيعود إلى العصمة. وبين أن يثبت على ردته فيقتل (فإن أسلم عادت) حرمة أمواله (على حالها) السابق، وصار كأنه لم يرتد (وإن مات، أو قتل على ردته) أو لحق بدار الحرب وحكم بلحاقه (انتقل ما كان اكتسبه في حال إسلامه إلى ورثته المسلمين)؛ لوجوده قبل الردة، فيستند الإرث إلى آخر جزء من أجزاء إسلامه؛ لأن ردته بمنزلة موته، فيكون توريث المسلم من المسلم (وكان ما اكتسبه في حال ردته فيئا) للمسلمين، فيوضع في بيت المال؛ لأن كسبه حال ردته كسب مباح الدم ليس فيه حق لأحد، فكان فيئا كمال الحربي. قال الزاهدي: وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: كلاهما لورثته، والصحيح قول الإمام، واختار قوله البرهاني، والنسفي، وصدر الشريعة، تصحيح.