اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢٥٣
(وإن أحضره وسلمه في مكان يقدر المكفول له على محاكمته) كالمصر، سواء قبله أو لم يقبله (برئ من الكفالة) لأنه أتى بما التزمه، إذ لم يلتزم التسليم إلا مرة واحدة (وإذا تكفل به على أن يسلمه في مجلس القاضي فسلمه في السوق برئ) أيضاً، لحصول المقصود، لأن المقصود من شرط التسليم في مجلس القاضي إمكان الخصومة وإثبات الحق، وهذا حاصل متى سلمه في المصر، لأن الناس يعاونونه على إحضاره إلى القاضي، فلا فائدة في التقييد، وقيل: لا يبرأ في زماننا، لأن الظاهر المعاونة على الامتناع، لا على الإحضار، فكان تقييده مفيداً. هداية. وفي الدر عن ابن ملك: وبه يفتى في زماننا، لتهاون الناس. اهـ (وإن سلمه في برية لم يبرأ)، لأنه لا يقدر على المخاصمة فيها، فلم يحصل المقصود، وكذا إذا سلمه في سواد، لعدم قاض يفصل الحكم فيه، ولو سلم في مصر آخر غير المصر الذي كفل به برئ عند أبي حنيفة، للقدرة على المخاصمة فيه؛ وعندهما لا يبرأ، لأنه قد يكون شهوده فيما عينه، ولو سلمه في السجن وقد حبسه غير الطالب لا يبرأ، لأنه لا يقدر على المحاكمة فيه. هداية.
(وإذا مات المكفول به برئ الكفيل بالنفس من الكفالة)؛ لأنه سقط الحضور عن الأصيل فيسقط الإحضار عن الكفيل، وكذا إذا مات الكفيل؛ لأنه لم يبق قادراً على تسليم المكفول به بنفسه، وماله لا يصلح لإيفاء هذا الواجب، بخلاف الكفيل بالمال، ولو مات المكفول له فللوصي أن يطالب الكفيل، وإن لم يكن فلوارثه لقيامه مقام الميت. هداية. (وإن تكفل بنفسه على أنه إن لم يواف به في وقت كذا فهو ضامن لما عليه وهو ألف) مثلا (فلم يحضره في) ذلك (الوقت) المعين (لزمه ضمان المال) لأنه علق الكفالة بالمال بشرط متعارف فصح (ولم يبرأ من الكفالة بالنفس) لعدم التنافي.
(ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص عند أبي حنيفة) قال في الهداية: معناه لا يجبر عليها عنده، وقالا: يجبر في حد القذف، لأن فيه حق العبد، بخلاف الحدود الخالصة للّه تعالى. اهـ. قال في التصحيح - بعد ما ذكر عبارة الهداية - فسره بذلك الإسبيجاني قال: المشهور من قول علمائنا أن الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص جائزة في اختيار المطلوب، أما القاضي لا يجبره على إعطاء الكفيل، وقال أبو يوسف ومحمد: يؤخذ منه الكفيل، ابتداء، واختار قول الإمام النسفي والمحبوبي وغيرهما. اهـ.
(وأما الكفالة بالمال فجائزة، معلوما كان المال المكفول به أو مجهولا)؛ لأن معنى الكفالة على التوسع؛ فتتحمل فيها الجهالة (إذا كان) المكفول به (ديناً صحيحاً) وهو: الذي لا يسقط إلا بأداء أو الإبراء، واحترز به عن بدل الكتابة، وسيأتي، وذلك (مثل أن يقول: تكفلت عنه بألف) مثال المعلوم، ومثال المجهول قوله: (أو بمالك عليه، أو بما يدركك في هذا البيع) ويسمى هذا ضمان الدرك (والمكفول له بالخيار) في المطالبة: (إن شاء طالب الذي عليه الأصل) ويسمى الأصيل، (وإن شاء طالب كفيله)؛ لأن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة، كما مر، وذلك يقتضي قيام الأول، لا البراءة عنه؛ إلا إذا شرط فيه البراءة؛ فحينئذ ينعقد حوالةً اعتباراً للمعنى، كما أن الحوالة بشرط أن لا يبرأ بها المحيل تكون كفالة، ولو طالب أحدهما له أن يطالب الآخر، وله أن يطالبهما. هداية.