اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٨٥
(إذا رجع الشهود عن شهادتهم) بأن قالوا: رجعنا عما شهدنا به، ونحوه، بخلاف الإنكار؛ فإنه لا يكون رجوعاً، وكان ذلك (قبل الحكم بها) أي بالشهادة (سقطت) شهادتهم؛ لأن الحق إنما يثبت بالقضاء، والقاضي لا يقضي بكلام متناقض، ولا ضمان عليهما؛ لأنهما ما أتلفا شيئاً: لا على المدعي، ولا على المشهود عليه، هداية. (وإن) كان (حكم بشهادتهم ثم رجعوا، لم يفسخ الحكم)؛ لأن آخر كلامهم يناقض أوله، فلا ينقض الحكم بالمتناقض، ولأنه في الدلالة على الصدق مثل الأول، وقد ترجح الأول باتصال القضاء به (ووجب عليهم) أي الشهود (ضمان ما أتلفوه بشهادتهم)؛ لإقرارهم على أنفسهم بسبب الضمان، لأن رجوعهم يتضمن دعوى بطلان القضاء، ودعوى إتلاف المال على المشهود عليه بشهادتهم؛ فلا يصدقون في حق القضاء، ويصدقون بسبب الضمان.
(ولا يصح الرجوع إلا بحضرة الحاكم) ولو غير الأول؛ لأنه فسخ للشهادة، فيختص بما تختص به الشهادة من المجلس، وهو مجلس القاضي كما في الهداية.
(وإذا شهد شاهدان بمال فحكم الحاكم به ثم رجعا) عن الشهادة عند الحاكم (ضمنا المال) المشهود به (للمشهود عليه)؛ لأن السبب على وجه التعدي سبب الضمان كحافر البئر، وقد تسببا للاتلاف تعديا مع تعذر تضمين المباشر - وهو القاضي - لأنه كالملجأ إلى القضاء (وإن رجع أحدهما ضمن النصف) والأصل: أن المعتبر في هذا بقاء من بقي، لا رجوع من رجع، وقد بقي من يتقي بشهادته نصف الحق.
(وإن شهد بالمال ثلاثة) من الرجال (فرجع أحدهم فلا ضمان عليه) لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق (فإن رجع آخر ضمن الراجعان نصف المال) لأنه ببقاء أحدهم يبقى نصف الحق.
(وإن شهد رجل وامرأتان، فرجعت امرأة ضمنت ربع الحق) لبقاء ثلاثة الأرباع ببقاء من بقي (وإن رجعتا) أي المرأتان (ضمنتا نصف الحق)؛ لأن بشهادة الرجل الباقي يبقى نصف الحق.
(وإن شهد رجل وعشر نسوة ثم رجع ثمان منهن، فلا ضمان عليهن)، لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق (فإن رجعت) امرأة (أخرى كان على النسوة) الراجعين (١) من حق العربية أن يقول "الراجعات" (ربع الحق) لأنه بقي النصف بشهادة الرجل، والربع بشهادة الباقية (فإن رجع الرجل والنساء) جميعاً (فعلى الرجل سدس الحق، وعلى النسوة خمسة أسداس الحق عند أبي حنيفة)، لأن كل امرأتين قامتا مقام رجل واحد، فصار كما إذا شهد بذلك ستة رجال ثم رجعوا جميعاً، وقال أبو يوسف ومحمد: على الرجل النصف، وعلى النسوة النصف). لأنهن - وإن كثرن - يقمن مقام رجل واحد؛ ولهذا لا تقبل شهادتهن إلا بانضمام رجل، قال في التصحيح: وعلى قول الإمام مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما].
(وإن شهد شاهدان على امرأة بالنكاح) على مهر (بمقدار مهر مثلها) أو أقل أو أكثر (ثم رجعا فلا ضمان عليهما)؛ لأن منافع البضع غير متقومة عند الإتلاف؛ لأن التضمين يستدعي المماثلة، ولا مماثلة بين البضع والمال، وإنما تتقوم على الزوج عند التملك ضرورة الملك إظهارا لخطر المحل (وكذلك إن شهدا على رجل بتزوج امرأة بمقدار مهر مثلها)، لأنه إتلاف بعوض، لأن البضع متقوم حالة الدخول في الملك كما سبق، والإتلاف بعوض كالإتلاف (فإن شهدا بأكثر من مهر المثل ثم رجعا ضمنا الزيادة) لإتلافها الزيادة من غير عوض.