اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ١٥٩
(ويجوز البيع بالفلوس) مطلقاً، لأنها مال معلوم، لكن (النافقة) يجوز البيع بها (وإن لم تتعين) لأنها أثمان بالاصطلاح. فلا فائدة في تعينها (وإن كانت كاسدة لم يجز البيع بها حتى يعينها) بالإشارة إليها، لأنها سلع فلابد من تعينها (وإذا باع بالفلوس النافقة ثم كسدت) أو انقطعت (بطل البيع عند أبي حنيفة) خلافاً لهما، وهو نظير الخلاف الذي بيناه. هداية، وفيها: لو استقرض فلوساً فكسدت عند أبي حنيفة عليه مثلها، لأنه إعارة وموجبها رد العين معنى، والثمينة فيه، إذ القرض لا يختص به، وعندهما يجب قيمتها، لأنه بطل وصف الثمينة تعذر ردها كما قبض، فيجب رد القيمة، كما إذا استقرض مثلياً فانقطع، لكن عند أبي يوسف يوم القبض وعند محمد يوم الكساد على ما مر من قبل، اهـ. قال شيخنا في رسالته: اعلم أن الظاهر من كلامهم أن جميع ما مر إنما هو في الفلوس والدراهم التي غلب غشها كما يظهر بالتأمل، ويدل عليه اقتصارهم في بعض المواضع على الفلوس؛ وفي بعضها ذكر العدالي معها، فإن العدالي كما في البحر - الدراهم المنسوبة إلى العدل، وكأنه اسم ملك ينسب إليه درهم فيه غش، ولم يظهر حكم النقود الخالصة أو المغلوبة الغش، وكأنهم لم يتعرضوا لها لندرة انقطاعها أو كسادها، لكن يكثر في زماننا غلاؤها ورخصها فيحتاج إلى بيان الحكم فيها، ولم أر من نبه عليها، نعم يفهم من التقييد أن الخالصة أو المغلوبة لبس حكمها كذلك، والذي يغلب على الظن ويميل إليه القلب أن الدراهم المغلوبة الغش أو الخالصة إذا غلت أو رخصت لا يفسد البيع قطعاً؛ ولا يجب إلا ما وقع عليه العهد من النوع المذكور فيه، فإنها أثمان عرفاً وخلقة؛ والغش المغلوب كالعدم، ولا يجري في ذلك خلاف أبي يوسف، على أنه ذكر بعض الفضلاء أن خلاف أبي يوسف إنما هو الفلوس فقط، وأما الدراهم التي غلب غشها فلا خلاف له فيها، وبهذا يحصل التوفيق بين حكاية الخلاف تارة والإجماع تارة أخرى، كما تدل عليه عباراتهم، فحيث كان الواجب ما وقع عليه العقد في الدراهم التي غلب غشها إجماعا ففي الخالصة ونحوها أولى، وتمامه فيها (ومن اشترى شيئاً بنصف درهم) مثلا (فلوساً جاز البيع) بلا بيان عددها (وعليه): أي البائع (ما يباع بنصف درهم من الفلوس)، لأنه عبارة عن مقدار معلوم منها (ومن أعطى الصيرفي درهما فقال: أعطني بنصفه فلوسا وبنصفه) الآخر (نصفا إلا حبة فسد البيع في الجميع عند أبي حنيفة) لأن الصفقة متحدة فيشيع الفساد (وقالا: جاز البيع في الفلوس؛ وبطل فيما بقي) لأن بيع نصف درهم بالفلوس جائز، وبيع النصف بنصف إلا حبة ربا فلا يجوز، ولو كرر لفظ الإعطاء كان جوابه كجوابهما، وهو الصحيح؛ لأنهما بيعان. هداية (ولو قال أعطني) به (نصف درهم فلوساً ونصفاً إلا حبة جاز وكانت الفلوس والنصف إلا حبة بدرهم)؛ لأنه قابل الدرهم بما يباع من الفلوس بنصف درهم وبنصف درهم إلا حبة، فيكون نصف درهم إلا حبة بمثله وما وراءه بإزاء الفلوس. هداية.
١ الجزء الثاني.
٢ كتاب البيوع.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- البيع ينعقد بالإيجاب والقبول، إذا كانا بلفظ الماضي،
وإذا أوجب أحد المتعاقدين البيع فالآخر بالخيار: إن شاء قبل في المجلس، وإن شاء رده، وأيهما قام من المجلس قبل القبول بطل الإيجاب. وإذ حصل الإيجاب والقبول لزم البيع، ولا خيار لواحدٍ منهما إلا من عيبٍ أو عدم رؤيةٍ. والأعواض المشار إليها لا يحتاج إلى معرفة مقدارها في جواز البيع، والأثمان المطلقة لا تصح إلا أن تكون معروفة القدر والصفة، ويجوز البيع بثمنٍ حالٍ ومؤجلٍ إذا كان الأجل معلوماً، ومن أطلق الثمن في البيع كان على غالب نقد البلد، فإن كانت النقود مختلفةً فالبيع فاسدٌ، إلا أن يبين أحدها، ويجوز بيع الطعام والحبوب مكايلةً ومجازفةً وبإناء بعينه لا يعرف مقداره. وبوزن حجرٍ بعينه لا يعرف مقداره، ومن باع صبرة طعامٍ كل قفيزٍ بدرهمٍ جاز البيع في قفيزٍ واحدٍ عند أبي حنيفة إلا أن يسمى جملة قفزاتها، ومن باع قطيع غنمٍ كل شاةٍ بدرهمٍ فالبيع فاسدٌ في جميعها، وكذلك من باع ثوباً مذارعةً كل ذراعٍ بدرهمٍ ولم يسم جملة الذرعان،
ومن ابتاع صبرةً على أنها مائة قفيزٍ بمائة درهمٍ فوجدها أقل كان المشتري بالخيار: إن شاء أخذ الموجود بحصته من الثمن، وإن شاء فسخ البيع، وإن وجدها أكثر فالزيادة للبائع، ومن اشترى ثوباً على أنه عشرة أذرعٍ بعشرة دراهم أو أرضاً على أنها مائة ذراعٍ بمائة درهم فوجدها أقل فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذها بجملة الثمن، وإن شاء تركها، وإن وجدها أكثر من الذراع الذي سماه فهو للمشتري، ولا خيار للبائع، وإن قال "بعتكها على أنها مائة ذراعٍ بمائة درهم كل ذراعٍ بدرهمٍ" فوجدها ناقصةً فهو بالخيار: إن شاء أخذها بحصتها من الثمن، وإن شاء تركها، وإن وجدها زائدةً فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذ الجميع كل ذراعٍ بدرهم، وإن شاء فسخ البيع، ومن باع داراً دخل بناؤها في البيع وإن لم يسمه، ومن باع أرضاً دخل ما فيها وإن لم يسمه، ولا يدخل الزرع في بيع الأرض إلا بالتسمية، ومن باع نخلاً أو شجراً فيه ثمرٌ فثمرته للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع.