اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢٥٠
(وإذا ضمن الوكيل بالبيع الثمن عن المبتاع فضمانه باطل)؛ لأن حكم الوكيل أن يكون الثمن أمانة في يده؛ فلا يجوز نفي موجبه بجعله ضامناً له، فصار كما لو شرط على المودع ضمان الوديعة؛ فلا يجوز (وإذا وكله ببيع عبده فباع نصفه جاز عند أبي حنيفة)؛ لإطلاق التوكيل، وقالا: لا يجوز، لأنه غير متعارف؛ لما فيه من ضرر الشركة، إلا أن يبيع النصف الآخر قبل أن يختصما، قال في التصحيح: واختار قول الإمام البرهاني والنسفي وصدر الشريعة (وإن وكله بشراء عبد فاشترى نصفه فالشراء موقوف) اتفاقا (فإن اشترى باقيه) قبل الخصومة (لزم الموكل)؛ لأن شراء البعض قد يقع وسيلة إلى الامتثال بأن كان موروثاً بين جماعة فيحتاج إلى شرائه شقصاً شقصاً؛ فإن اشترى الباقي قبل رد الآمر البيع تعين أنه وسيلة فينفذ على الآمر، وهذا بالاتفاق. هداية (وإذا وكله بشراء عشرة أرطال لحم) مثلا (بدرهم) واحد (فاشترى عشرين) رطلا (بدرهم من لحم يباع مثله عشرة بدرهم لزم الموكل منه عشرة أرطال بنصف درهم عند أبي حنيفة)؛ لأنه أمره بشراء العشرة، ولم يأمره بالزيادة، فينفذ شراؤها عليه، وبشراء العشرة على الموكل (وقالا: يلزمه العشرون) لأنه أمره بصرف الدرهم، وظن أنه سعر عشرة أرطال، فإذا اشترى عشرين فقد زاد خيرا، قال في التصحيح: قال في الهداية: وذكر في بعض النسخ قول محمد مع أبي حنيفة، ومحمد لم يذكر الخلاف في الأصل، وقد مشى على قول الإمام النسفي والبرهاني وغيرهما (وإذا وكله بشراء شيء بعينه فليس له) أي الوكيل (أن يشتريه لنفسه) لأنه يؤدي إلى تغرير الآمر حيث اعتمد عليه، ولأن فيه عزل نفسه، ولا يملكه - على ما قيل - إلا بمحضر من الموكل؛ فلو كان الثمن مسمى فاشترى بخلاف جنسه، أو لم يكن مسمى فاشترى بغير النقود، أو وكل وكيلا بشرائه فاشترى الثاني بغيبة الأول - ثبت الملك للوكيل الأول في هذه الوجوه، لأنه خالف أمر الآمر فينفذ عليه، ولو اشترى الثاني بحضرة الأول نفذ على الموكل الأول؛ لأنه حضره رأيه فلم يكن مخالفا. هداية (وإن كلفه بشراء عبد بغير عينه فاشترى) الوكيل (عبدا) من غير نية الشراء للموكل ولا إضافته إلى دراهمه (فهو للوكيل)؛ لأنه الأصل (إلا أن يقول: نويت الشراء للموكل، أو يشتريه بمال الموكل) قال في الهداية: وهذه المسألة على وجوه: إن أضاف العقد إلى دراهم الآمر كان للآمر، وهو المراد عندي بقوله "أو يشتريه بمال الموكل" وهذا بالإجماع، وإن أضافه إلى دراهم نفسه كان لنفسه، وإن أضافه إلى دراهم مطلقة فإن نواها للآمر فهو للآمر، وإن نواها لنفسه فلنفسه، وإن تكاذبا في النية يحكم النقد بالإجماع؛ لأنه دلالة ظاهرة، وإن توافقا على أنه لم تحضره النية، قال محمد: هو للعاقد، لأن الأصل أن كل أحد يعمل لنفسه، إلا إذا ثبت جعله لغيره، ولم يثبت، وعن أبي يوسف يحكم النقد؛ لأن ما أوقعه مطلقا يحتمل وجهين، فيبقى موقوفا، فمن أي المالين نقد فقد فعل ذلك المحتمل لصاحبه، اهـ باختصار.
(والوكيل بالخصومة وكيل بالقبض عند) أئمتنا الثلاثة (أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد) خلافاً لزفر، هو يقول: رضي بخصومته، والقبض غير الخصومة ولم يرض به، ولنا أن من ملك شيئاً ملك تمامه، وتمام الخصومة بالقبض، والفتوى اليوم على قول زفر؛ لظهور الخيانة في الوكلاء، وقد يؤتمن على الخصومة من لا يؤتمن على المال، ونظيره الوكيل بالتقاضي: يملك القبض على أصل الرواية؛ لأنه في معناه وضعا، إلا أن العرف بخلافه، وهو قاضٍ على الوضع، والفتوى على أن لا يملك هداية. ونقل في التصحيح نحوه عن الإسبيجاني والينابيع والذخيرة والواقعات وغيرها، ثم قال: وفي الصغرى التوكيل بالتقاضي يعتمد العرف، إن كان في بلدة العرف بين التجار أن المتقاضي هو الذي يقبض الدين كان التوكيل بالتقاضي توكيلا بالقبض، وإلا فلا، وهذا اللفظ في التتمة، ونقل مثله عن محمد بن الفضل. اهـ.
(والوكيل بقبض الدين وكيل بالخصومة عند أبي حنيفة) حتى لو أقيمت عليه البينة على استيفاء الموكل أو إبرائه يقبل، لأنه وكله بالتملك؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، وهو يقتضي حقوقا، وهو أصيل فيها، فيكون خصما، وقالا: لا يكون خصما، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، لأنه ليس كل من يؤتمن على المال يهتدي للخصومة، فلم يكن الرضا بالقبض رضاً بالخصومة، قال في التصحيح: وعلى قول الإمام مشى المحبوبي في أصح الأقاويل والاختيارات والنسفي والموصلي وصدر الشريعة، ثم قال: وقيد بقبض الدين لأن الوكيل بقبض العين لا يكون وكيلا بالخصومة فيها بالإجماع، قاله في الاختيار وغيره، اهـ.
(وإذا أقر الوكيل بالخصومة) سواء كان وكيل المدعي أو المدعى عليه (على موكله عند القاضي جاز إقراره) لأنه مأمور بالجواب، والإقرار نوعي الجواب (ولا يجوز إقراره عليه عند غير القاضي عند أبي حنيفة ومحمد)؛ لأن الإقرار إنما يكون جوبا عند القاضي؛ لأنه في مقابلة الخصومة، فيختص به، فلو أقيمت بينة على إقراره في غير مجلس القضاء لا ينفذ إقراره على الموكل (إلا أنه يخرج) المقر بذلك (من الخصومة): أي الوكالة، حتى لا يدفع إليه المال، ولو ادعى المدعي ذلك الوكالة وأقام بينة لم تسمع؛ لأنه زعم أنه مبطل في دعواه (وقال أبو يوسف: يجوز إقراره عليه) ولو (عند غير القاضي)؛ لأنه قائم مقام الموكل، وإقراره يختص بمجلس القضاء؛ فكذا إقرار نائبه، قال في التصحيح: قال الإسبيجاني: والصحيح قولهما.