اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢٢٠
(وإن قال: إن خطته اليوم فبدرهم، وإن خطته غداً فبنصف درهم، فإن خاطه اليوم فله درهم، وإن خاطه غدا) أو بعده (فله أجر مثله عند أبي حنيفة)؛ لأن ذكر اليوم للتعجيل، بخلاف الغد فإنه للتعليق حقيقة، وإذا كان كذلك يجتمع في الغد تسميتان الوقت والعمل، دون اليوم، فيصح الأول ويجب المسمى في اليوم، ويفسد الثاني ويجب أجر المثل، كما في الهداية (ولا يتجاوز به نصف درهم) لأنه هو المسمى في اليوم الثاني وقد رضى به، وهذا عند أبي حنيفة (وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان) وقال زفر: الشرطان فاسدان، قال في التصحيح: واعتمد قول الإمام في الخلافيات المذكورة المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وأبو الفضل (وإن قال: إن سكنت في هذه الدكان عطاراً فبدرهم في الشهر، وإن سكنت حداداً فبدرهمين جاز) الشرطان (وأي الأمرين فعل استحق المسمى فيه عند أبي حنيفة)، لأنه خيره بين عقدين صحيحين مختلفين فيصح كما في مسألة الرومية والفارسية (وقالا: الإجارة فاسدة) لجهالة الأجرة، لأنه لا يعلم أي العملين يعمل، وتقدم في التصحيح أن المعتمد في الخلافيات المذكورة قول الإمام (ومن استأجر داراً كل شهر بدرهم فالعقد صحيح في شهر واحد) لكونه معلوما (فاسدة في بقية الشهور) لجهالتها، والأصل أن كلمة "كل" إذا دخلت فيما لا نهاية له ينصرف إلى الواحد؛ لتعذر العمل بالعموم، فكان الشهر الواحد معلوما فصح العقد فيه، فإذا تم كان لكل واحد منهما أن ينقض الإجارة لانتهاء مدة العقد الصحيح (إلا أن يسمى جملة شهور) جملةً (معلومة) فيجوز، لزوال المانع لأن المدة صارت معلومة (فإن سكن ساعة من الشهر الثاني صح العقد فيه): أي الشهر الثاني (ولم يكن للمؤجر أن يخرجه منها إلى أن ينقضي) الشهر (وكذلك) حكم (كل شهر يسكن في أوله) ساعةً، لأنه تم العقد بتراضيهما بالسكنى في الشهر الثاني، إلا أن الذي ذكره في الكتاب هو القياس، وقد مال إليه بعض المشايخ، وظاهر الرواية أن يبقى الخيار لكل واحد منهما في الليلة الأولى من الشهر ويومها، لأن في اعتبار الأول بعض الحرج، هداية. وفي التصحيح: قال في الجوهرة والتبيين: هذا قول البعض، أما ظاهر الرواية لكل واحد منهما الخيار في الليلة الأولى من الشهر ويومها، وبه يفتى، قال القاضي: وإليه أشار في ظاهر الرواية، وعليه الفتوى. اهـ (وإذا استأجر داراً سنةً بعشرة دراهم) مثلا (جاز) وتقسط على الأشهر بالسوية ( وإن لم يسم قسط كل شهر من الأجرة)، لأن المدة معلومة بدون التقسيم. ثم يعتبر ابتداء المدة مما سمى، وإن لم يسم فمن وقت العقد، ثم إن كان العقد حين يهل الهلال فشهور السنة كلها بالأهلة، لأنها الأصل، وإن كان في أثناء الشهر فالكل بالأيام عند الإمام، وقال محمد: الشهر الأول بالأيام، والباقي بالأهلة، وعن أبي يوسف روايتان.
(ويجوز أخذ أجرة الحمام) لتعارف الناس، ولم يعتبر الجهالة لإجماع المسلمين: وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن" هداية.
(والحجام) لما روي أنه عليه الصلاة والسلام "احتجم وأعطى الحجام الأجر" ولأنه استأجر على عمل معلوم بأجر معلوم، هداية (ولا يجوز أخذ أجرة عسب التيس) أي ضرابه (ولا يجوز الاستئجار على) الطاعات، مثل (الأذان والإقامة والحج) والإمامة وتعليم القرآن والفقه، قال في التصحيح: وهذا جواب المتقدمين، وأجازه المتأخرون، فقال في الهداية: وبعض مشايخنا استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن، وعليه الفتوى، واعتمده النسفي، وقال في المحيط: ولا يجوز الاستئجار على الطاعات كتعليم القرآن والفقه والإمامة والحج عنه، وبعض أصحابنا المتأخرين جوزوا ذلك؛ لكسل الناس، ولحاجتهم.
وفي الذخيرة: ومشايخ بلخ جوزوا الاستئجار لتعليم القرآن إذا ضرب لذلك مدة، وأفتوا بوجوب المسمى، وإذا كان بدون ذكر المدة أفتوا بوجوب أجرة المثل، وكذلك يفتى بجواز الاستئجار على تعليم الفقه، وقال صدر الشريعة: ولم يصح للعبادات كالأذان والإقامة وتعليم القرآن، ونفتي اليوم بصحتها. اهـ (و) لا على المعاصي، مثل (الغناء والنوح) وكذا سائر الملاهي؛ لأنه استئجار على المعصية، والمعصية لا تستحق بالعقد. (ولا تجوز إجارة المشاع) الأصلي، سواء كان يقبل القسمة أو لا (عند أبي حنيفة) لعدم القدرة على التسليم؛ لأن تسليم الشائع وحده لا يتصور (إلا من الشريك)؛ لحدوث المنفعة كلها على ملكه فلا شيوع، والاختلاف في النسبة لا يضر، هداية. وفي جامع الكرخي: نص أبو حنيفة أنه إذا آجر بعض ملكه أو آجر أحد الشريكين نصيبه من أجنبي فهو فاسد، سواء فيما يقسم ومالا يقسم، اهـ. وكذا من أحد الشريكين كما في العمادية (وقالا: إجارة المشاع جائزة)؛ لأن له منفعة، ولهذا يجب أجر المثل، والتسليم ممكن بالتخلية أو بالتهايؤ، فصار كما إذا أجر من شريكه أو من رجلين، قال في التصحيح: وفي الفتاوى الصغرى وتتمة الفتاوى والحقائق: الفتوى على قول أبي حنيفة، واعتمده النسفي والمحبوبي وصدر الشريعة، قال في شرح الكنز: وفي المغني: الفتوى في إجارة المشاع على قولهما، قلت: هو شاذ مجهول القائل، فلا يعارض ما ذكرناه. اهـ. قيدنا الشيوع بالأصلي لأن الشيوع الطارئ لا يفسد اتفاقا، وذلك كأن آجر الكل ثم فسخ في البعض، أو آجر لواحد فمات أحدهما، أو بالعكس.