اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ١٠٨
(٥). (ويكره) تحريماً (تأخيره عن هذه الأيام) الثلاثة (فإن أخره عنها لزمه دم عند أبي حنيفة) قال في التصحيح: وهو المعول عليه عند النسفي والمحبوبي (ثم يعود إلى منى) من يومه (فيقيم بها) لأجل الرمي (فإذا زالت الشمس في اليوم الثاني من) أيام (النحر رمى الجمار الثلاث) والسنة أنه (يبتدئ بالتي تلي المسجد) مسجد الخيف (فيرميها بسبع حصيات) ويسن أنه (يكبر مع كل حصاة ويقف عندها ويدعو)، لأنه بعده رمى (ثم يرمي التي تليها مثل ذلك) الرمي الذي ذكر في الأولى: من كونه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة (ويقف عندها) ويدعو (ثم يرمي جمرة العقبة كذلك، و) لكنه (لا يقف عندها)، لأنه ليس بعده رمي (فإذا كان من الغد) وهو الثالث من أيام النحر (رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس) أيضاً (كذلك): أي مثل الرمي في اليوم الثاني (فإذا أراد أن يتعجل النفر) في اليوم الثالث (نفر إلى مكة) قبل طلوع فجر الرابع، لا بعده، لدخول وقت الرمي (وإذا أراد أن يقيم) إلى الرابع وهو الأفضل (رمى الجمار الثلاث يوم الرابع بعد زوال الشمس) أيضاً (فإن قدم الرمي في هذا اليوم قبل الزوال بعد طلوع الفجر جاز عند أبي حنيفة) قال في الهداية: وهذا استحسان، واختاره برهان الشريعة والنسفي وصدر الشريعة. تصحيح (ويكره أن يقدم الإنسان ثقله) بفتحتين - متاعه وخدمه (إلى مكة ويقيم) بمنى (حتى يرمي)، لأنه يوجب شغل قلبه (فإذا نفر إلى مكة نزل) ندباً (بالمحصب) بضم فتحتين - الأبطح، ويقال له؛ البطحاء، وخيف بني كنانة، قال في الفتح: وهو فناء مكة، وحده: ما بين الجبلين المتصلين بالمقابر إلى الجبال المقابلة لذلك مصعداً في الشق الأيسر وأنت ذاهب إلى منى مرتفعاً عن بطن الوادي (ثم) إذا أراد السفر (طاف بالبيت سبعة أشواط لا يرمل فيها، وهذا) يقال له (طواف الصدر) وطواف الوداع، وطواف آخر عهد بالبيت، لأنه يودع البيت ويصدر به (وهو واجب إلا على أهل مكة) ومن في حكمهم ممن كان داخل الميقات، لأنهم لا يصدرون ولا يودعون (٦)، ويصلي بعده ركعتي الطواف، ويأتي زمزم فيشرب من مائها، ثم يأتي الملتزم (٧) فيضع صدره ووجهه عليه. ويتشبث بالأستار، ويدعو بما أحب، ويرجع قهقرى حتى يخرج من المسجد وبصره ملاحظ للبيت متباكياً متحاسراً على فراقه، ويخرج من باب حزورة المعروف بباب الوداع (ثم يعود إلى أهله) لفراغه من أفعال حجه.
(فإن لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفات ووقف بها على ما قدمناه فقد سقط عنه طواف القدوم)؛ لأنه تحية البيت ولم يدخل (ولا شيء عليه لتركه)؛ لأنه سنة ولا شيء بتركها. (ومن أدرك الوقوف بعرفة) ولو لحظة في وقته، وهو ما بين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج): أي أمن من فساده، وإلا فقد بقي عليه الركن الثاني، وهو طواف الزيارة (ومن اجتازه): أي مر (بعرفة وهو نائم أو مغمى عليه أو لم يعلم أنها عرفة أجزأه ذلك عن الوقوف) لأن الركن - وهو الوقوف - قد وجد، والجهل يخل بالنية، وهي ليست بشرط فيه.
(والمرأة في جميع ذلك) المار (كالرجل) لعموم الخطاب (غير أنها لا تكشف رأسها): لأنها عورة (وتكشف وجهها) ولو سدلت شيئاً عليه وجافته عنه جاز؛ لأنه بمنزلة الاستظلال بالمحمل (ولا ترفع صوتها بالتلبية) بل تسمع نفسها دفعا للفتنة (ولا ترمل في الطواف) ولا تضطبع، ولا تسعى بين الميلين (ولا تحلق رأسها، ولكن تقصر) من ربع شعرها كما مر، وتلبس المخيط والخفين، والخنثى كالمرأة فيما ذكر احتياطاً.
--------------
(١) والحج رياضة روحية وعقلية وبدنية كريمة وهو جهاد مكرم مشكور وفيه من الآيات والآثار ما يشهد بمكانته العليا وآثاره الجليلة وحسبك ما نواه به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أنه ليس له جزاء إلا الجنة ومن ذاق لذة الحج عرف ما يصنع من تجديد الإيمان واستئناف الحياة السعيدة الموفقة وينبغي لمن أراد الحج أن يبدأ بالتوبة وإخلاص النية ورد المظالم وأن يلتمس النفقة من الحلال ويطلب الرفيق الصالح ليذكره إذا نسي ويعينه إذا عجز ويثبته إذا جزع ويستحب أن يجعل خروجه يوم الخميس اقتداء بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وإلا فيوم الإثنين ورد في أن السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال:
(من أراد أن يسافر فليقل لمن يخلفه استودعك اللّه الذي لا تضيع ودائعه).
(٢) في الهداية إن ذلك حسن في ظاهر الرواية وعن محمد أنه سنة ولا يستلم غيرهما فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يستلم هذين الركعتين ولا يستلم غيرهما.
(٣) المراد بالاسبوع السبعة الأشواط أي كل طواف تام ومذهب الشافعي أنها سنة لانعدام دليل الوجوب.
(٤) ويسمى أيضاً طواف اللقاء وطواف أول العهد.
(٥) من الآية ٣٩ من سورة الحج.