اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٩٢
(٤) روى أبو يعلى بسنده إلى عائشة قالت: دخل علي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: "يا عائشة هل من كسرة؟ فأتيته بقرصي فوضعه علي فيه فقال: يا عائشة هل دخل بطني من شيء؟ كذلك قبلة الصائم إنما الأفطر مما دخل وليس مما خرج". استدل صاحب الهداية على عدم الإفطار في هذه الأشياء والحديث طعن فيه بعض أهل الحديث بجهالة بعض رواته ولكن جزم صاحب الفتح بثبوته موقوفاً ففي البخاري تعليقاً عن ابن عباس وعكرمة الفطر مما دخل وليس مما خرج واسنده عبد الرزاق إلى ابن عباس إنما الوضوء مما خرج وإنما الفطر مما دخل وجعلوا من ذلك ما لو أدخل خشبة أو نحوها في دبره ففيها أو احتشت المرأة في فرجها الداخل أو استنجى فوصل الماء إلى دبره الداخل للمبالغة.
(٥) واختلف فيه الإمام الشافعي محتجاً بما في الصحيحين جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها، فقال: لو كان على أمك دية أكنت قاضيه عنها قال: نعم، قال فدية اللّه أحق وفي الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وسلم من مات وعليه صوم صام عنه وليه واحتج الحنفية بأن الحديث الأول معروف عن ظاهره للإجماع على عدم قضاء الدين في الصلاة وأن راوى الحديث الأول قال لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد فدل على فسخ الحكم.
قال مالك: لم أسمع عن أحد من الصحابة والتابعين بالمدينة أن أحداً منهم أمر أحداً أن يصوم عن أحد ولا يصلي عنه.
--------------------------
كتاب الصوم
عقب الزكاة بالصوم اقتداء بالحديث، كما مر.
(الصوم) لغة: الإمساك مطلقاً، وشرعاً: الإمساك عن المفطرات حقيقة أو حكماً في وقت مخصوص بنية من أهلها.
وهو (ضربان؛ واجب ونفل) قد يطلق الواجب ويراد به ما يقابل النفل كما هنا، وقد يطلق ويراد به ما يقابل الفرض والنفل معاً، فيكون واسطة بينهما كما يأتي في قوله؛ (صوم رمضان فريضة) و (صوم المنذور واجب) (فالواجب ضربان: منه ما يتعلق بزمان بعينه) وذلك كصوم رمضان والنذر المعين) زمانه (فيجوز صومه بنية من الليل) وهو الأفضل؛ فلا تصح قبل الغروب ولا عنده (فإن لم ينو حتى أصبح أجزأته النية ما بينه): أي الفجر (وبين الزوال) وفي الجامع الصغير: قبل نصف النهار، وهو الأصح، لأنه لابد من وجود النية في أكثر النهار؛ ونصفه من وقت طلوع الفجر إلى وقت الضحوة الكبرى، فيشترط النية قبلها، لتحقق في الأكثر؛ ولا فرق بين المسافر والمقيم، خلافاً لزفر. هداية.
(والضرب الثاني: ما يثبت في الذمة) من غير تقييد بزمان، وذلك (كقضاء رمضان) وما أفسده من نفل (والنذر المطلق و) صوم الكفارات، فلا يجوز) صوم ذلك (إلا بنية) معينة (من الليل)، لعدم تعين الوقت، والشرط؛ أن يعلم بقلبه أي صوم يصومه، ثم رمضان يتأدى بمطلق النية، وبنية النفل وواجب آخر (والنفل كله) مستحبه ومكروهه (يجوز بنية قبل الزوال) أي قبل نصف النهار؛ كما مر.