اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٥٤٥
(ومن أوصى لرجل بثلث دراهمه) المعينة (أو ثلث غنمه) المعينة (فهلك ثلثا ذلك، وبقي ثلثه، وهو) أي ثلث ذلك (يخرج من ثلث ما بقي من ماله، فله) أي الموصى له (جميع ما بقي)؛ "لأن الوصية تعلقت بعينها؛ بدليل أنه لو قاسمه الورثة استحق ذلك، وما تعلقت الوصية بعينه يستحقه الموصى له إذا خرج من الثلث، كما لو أوصى بثلث شيء بعينه فاستحق ثلثاه.
(وإن أوصى له بثلث ثيابه فهلك ثلثاها، وبقي ثلثها، وهو) أي الثلث الباقي (يخرج من ثلث ما بقي من ماله، لم يستحق) الموصى له (إلا ثلث ما بقي من الثياب) قال في الهداية: قالوا: هذا إذا كانت الثياب من أجناس مختلفة، ولو كانت من جنس واحد فهو بمنزلة الدراهم، اهـ. أي: لأن الوصية حيث كانت الثياب مختلفة لم تتعلق بعينها، ولذا لا يقسم بعضها في بعض، بخلاف ما إذا كانت متحدة فإنها يقسم بعضها في بعض بمنزلة الدراهم.
(ومن أوصى لرجل بألف درهم) مثلا (وله) أي الموصي (مال عين ودين فإن خرجت الألف) الموصى بها (من ثلث العين دفعت) الألف الموصى بها (إلى الموصى له)؛ لأنه أمكن إبقاء كل ذي حق حقه من غير بخس؛ فيصار إليه (وإن لم تخرج) الألف من الثلث العين (دفع إليه) أي الموصى له (ثلث العين، وكلما خرج شيء من الدين أخذ ثلثه، حتى يستوفي الألف)؛ لأن الموصى له شريك الوارث، وفي تخصيصه بالعين بخس في حق الورثة؛ لأن للعين فضلا على الدين.
(وتجوز الوصية للحمل، وبالحمل، إذا) تحقق وجوده وقت الوصية بأن (وضع لأقل من ستة أشهر من يوم الوصية) لو زوج الحامل حياً، ولو ميتاً وهي معتدة حين الوصية فلأقل من سنتين؛ بدليل ثبوت نسبه، اختيار وجوهرة.
(ومن أوصى لرجل بجارية إلا حملها صحت الوصية والاستثناء)؛ لأن ما جاز إيراد العقد عليه جاز استثناؤه منه.
(ومن أوصى لرجل بجارية فولدت بعد موت الموصي) ولو (قبل أن يقبل الموصى له ولداً ثم قبل) الموصى له (وهما): أي الجارية والولد (يخرجان من الثلث فهما للموصى له)؛ لأن الولد نماء الأم؛ فكان تبعاً لها (وإن لم يخرج من الثلث ضرب) الموصى له (بالثلث، فأخذ ما يخصه منهما جميعاً في قول أبي يوسف ومحمد)؛ لأن الولد لما دخل في الوصية صارا كأن الإيجاب ورد عليهما معاً فلا يقدم أحدهما على الآخر (وقال أبو حنيفة: يأخذ ذلك) أي الثلث (من الأم، فإن فضل) من الثلث (شيء أخذه من الولد) لأن الأم أصل في العقد، فكان في التنفيذ، واختار قول الإمام البرهاني والنسفي وغيرهما، تصحيح.
(وتجوز الوصية بخدمة عبده وسكنى داره سنين معلومة، وتجوز) أيضاً (بذلك أبداً) لأن المنافع يجوز تمليكها بعوض وبغير عوض، كالإجارة، والعارية، فكذلك بالوصية، ويكون محبوساً على ملك الميت في حق المنفعة، كما في الوقف، وتمامه في الدر.