اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٥٤٣
(وإن أوصى بجزء من ماله قيل للورثة: أعطوه ما شئتم)، لأنه مجهول يتناول القليل والكثير، غير أن الجهالة لا تمنع صحة الوصية، والورثة قائمون مقام الموصي، فإليهم البيان، هداية.
(ومن أوصى بوصايا من حقوق اللّه تعالى) وضاق عنها الثلث (قدمت الفرائض منها) على غير الفرائض، سواء (قدمها الموصي) في الوصية (أو أخرها) لأن قضاءها أهم، وذلك (مثل الحج والزكاة والكفارة) وإن تساوت قوة بأن كانت فرائض أو واجبات بدئ بما قدمه؛ لأن الظاهر أنه يبتدئ بالأهم (وما ليس بواجب قدم منه ما قدمه الموصي)؛ لأن تقديمه يدل على الاهتمام به، فكان كما إذا صرح بذلك.
(ومن أوصى بحجة الإسلام أحجوا عنه رجلا من بلده)؛ لأن الواجب الحج من بلده، ولهذا يعتبر فيه من المال ما يكفيه من بلده، والوصية لأداء ما كان واجباً عليه و (يحج عنه راكباً)؛ لأنه لا يلزمه أن يحج ماشيا، فانصرف إليه على الوجه الذي وجب عليه، وهذا إن كفت النفقة ذلك (فإن لم تبلغ الوصية) تلك (النفقة أحجوا عنه) راكبا (من حيث تبلغ) تلك النفقة، تنفيذاً لها بقدر الإمكان.
(ومن خرج من بلده حاجا فمات في الطريق) قبل أداء النسك (وأوصى أن يحج عنه من بلده) راكباً (عند أبي حنيفة) لأن الوصية تنصرف إلى الحج من بلده كما مر، وقالا: يحج عنه من حيث مات، لأن السفر بنية الحج وقع قربة، وسقط فرض قطع المسافة بقدره، فيبتدأ من ذلك المكان كأنه من أهله، قال جمال الإسلام: و على هذا إن مات الحاج عن غيره في الطريق حج عن الميت من بلده، والصحيح قوله، واختاره المحبوبي والنسفي وغيرهما، تصحيح.
(ولا تصح وصية الصبي) مطلقاً: أي سواء كان مميزاً أو لا، مات قبل الإدراك أو بعده، أضافه إلى الإدراك أولا، في وجوه الخير أولا، لأنها تبرع، وهو ليس من أهل التبرع، فلا يملكها تنجيزاً ولا تعليقاً (و) لا (المكاتب وإن ترك وفاء) لأن ماله لا يقبل التبرع.
(ويجوز للموصي الرجوع عن الوصية)، لأنها تبرع لم يتم، فجاز الرجوع فيه كالهبة (فإذا صرح بالرجوع) بأن قال رجعت عما أوصيت به أو أبطلته (أو فعل ما يدل على الرجوع) بأن أزاله عن ملكه، أو زاد به زيادة تمنع تسليمه إلا بها كلت السويق والبناء في الدار، أو فعل به فعلا لو فعله في المغصوب لانقطع عنه حق المالك (كان رجوعا) أما الصريح فظاهر، وكذا الدلالة، لأنها تعمل عمل الصريح فقام مقام قوله "قد أبطلت" وصار كالبيع بشرط الخيار، فإنه يبطل الخيار فيه بالدلالة، هداية.