اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٥٤١
(ومن أوصى إلى اثنين) معاً، أو على التعاقب (لم يجز لأحدهما أن يتصرف عند أبي حنيفة ومحمد دون صاحبه)؛ لأن الولاية تثبت بالتفويض فيراعى وصفه - وهو وصف الاجتماع - إذ هو شرط مفيد (إلا في) أشياء ضرورية ليست من باب الولاية، وهي ما استثناها المصنف وأخواتها، وذلك مثل (شراء كفن الميت وتجهيزه)، لأن في التأخير فساد الميت، ولهذا لا يملكه الجيران عند ذلك (وطعام الصغار وكسوتهم) خشية ضياعهم (ورد وديعة بعينها) ورد مغصوب ومشترى شراء فاسداً، وحفظ أموال (وقضاء دين عليه)؛ لأنها ليست من باب الولاية، فإنه يملكه المالك وصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه، فكان من باب الإعانة، هداية (وتنفيذ وصية بعينها، وعتق عبد بعينه)، لأنه لا يحتاج فيه إلى الرأي (والخصومة في حقوق الميت)؛ لأن الاجتماع فيها متعذر ولهذا ينفرد بها أحد الوكيلين، وزاد في الهداية قبول الهبة؛ لأن في التأخير خيفة الفوات ولأنه تملكه الأم والذي في حجره؛ فلم يكن من باب الولاية، وبيع ما يخشى عليه التوى والتلف؛ لأن فيه ضرورة لا تخفى، وجمع الأموال الضائعة؛ لن في التأخير خشية الفوات؛ ولأنه يملكه كل من وقع في يده، فلم يكن من باب الولاية، اهـ.
قال الإسبيجاني: وقال أبو يوسف: يجوز لكل واحد منهما ما صنع، والصحيح قولهما، واعتمده الأئمة المصححون كما هو الرسم، تصحيح.
(ومن أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر) أيضا (بثلث ماله، ولم تجز الورثة) ذلك (فالثلث بينهما نصفان) اتفاقا، لتساويهما في سبب الاستحقاق فيستويان في الاستحقاق، والثلث يضيق عن حقهما، فيكون بينهما (وإن أوصى لأحدهما بالثلث وللآخر بالسدس) ولم تجز الورثة (فالثلث بينهما أثلاثاً) اتفاقا أيضا؛ لأن الثلث يضيق عن حقيهما، فيقتسمانه على قدر حقيهما كما في أصحاب الديون (وإن أوصى لأحدهما بجميع ماله وللآخر بثلث ماله ولم تجز الورثة) ذلك (فالثلث بينهما على أربعة أسهم عند أبي يوسف ومحمد) على طريق العول: لصاحب الجميع ثلاثة أرباع، ولصاحب الثلث ربع، لأن الموصى قصد شيئين: الاستحقاق والتفضيل، وامتنع الاستحقاق لحق الورثة، ولا مانع من التفضيل، فيثبت كما في المحاباة وأختيها (سيذكر المصنف أختيها. وهما السعاية والدراهم المرسلة، وسيبينهما الشارح)، كما في الهداية.
(وقال أبو حنيفة: الثلث بينهما نصفان) لأن الوصية وقعت بغير المشروع عند عدم الإجازة فتبطل أصلا، والتفضيل ثبت في ضمن الاستحقاق، فبطل ببطلانه، فتبقى الوصية لكل واحد منهما بالثلث وإن أجازت الورثة: فعلى قولهما يكون بينهما أرباعا على طريق العول، وعلى قول الإمام أثلاثا على طريق المنازعة. قال الإمام جمال الإسلام في شرحه: والصحيح قول أبي حنيفة، واعتمده الإمام البرهاني، والنسفي، وغيرهما، تصحيح.
(ولا يضرب أبو حنيفة للموصى له بما زاد على الثلث إلا في) ثلاث مسائل (المحاباة، والسعاية، والدراهم المرسلة): أي المطلقة عن التقييد أو ثلث أو نحوهما.
وصورة المحاباة: أن يكون لرجل عبدان، قيمة أحدهما ثلاثون، والآخر ستون، ولا مال له سواهما، فأوصى بأن يباع الأول من زيد بعشرة والثاني من عمرو بعشرين، فالوصية في حق زيد بعشرين وفي حق عمرو بأربعين، فيقسم الثلث بينهما أثلاثا، فيباع الأول من زيد بعشرين والعشرة وصية له، ويباع الثاني من عمرو بالأربعين والعشرون وصية له، فيأخذ عمرو من الثلث بقدر وصيته، وإن كانت زائدة على الثلث.
وصورة السعاية: أن يوصي بعتق عبدين له قيمتهما ما ذكر، ولا مال له سواهما فيعتق من الأول ثلثه بعشرة ويسعى بعشرين، ويعتق من الثاني ثلثه بعشرين، ويسعى بأربعين.
وصورة الدراهم المرسلة: أن يوصي لزيد بعشرين، ولعمرو بأربعين، وهما ثلثا ماله، فالثلث بينهما أثلاثاً: لزيد عشرة، ولعمرو عشرون، اتفاقا.