اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٥٠٦
(ومن أكره على أن يأكل الميتة) أو الدم، أو لحم الخنزير (أو يشرب الخمر، وأكره على ذلك) بغير ملجئ: بأن كان (بحبس أو قيد أو ضرب) لا يخاف منه على تلف على النفس أو عضو من الأعضاء (لم يحل له) الإقدام؛ إذ لا ضرورة في إكراه غير ملجئ، إلا أنه لا يحد بالشرب للشبهة، ولا يحل له الإقدام (إلا أن يكره) بملجئ: أي (بما يخاف منه على) تلف (نفسه أو على) تلف (عضو من أعضائه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه) بل يجب عليه؛ ولذا قال (ولا يسعه) أي لا يجوز له (أن يصبر على ما توعد به) حتى يواقعوا به الفعل (فإن صبر حتى أوقعوا به) فعلا (ولم يأكل فهو آثم)؛ لأنه لما أبيح له ذلك كان بالامتناع معاوناً لغيره على إهلاك نفسه، فيأثم كما في حالة المخمصة.
(وإن أكره على الكفر باللّه) عز وجل (أو سب النبي صلى اللّه عليه وسلم بقيد أو حبس أو ضرب لم يكن ذلك إكراهاً) لأن الإكراه بهذه الأشياء ليس بإكراه في شرب الخمر كما مر، ففي الكفر أولى، بل (حتى يكره بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يظهر) على لسانه (ما أمروه به، ويورى) وهي أن يظهر خلاف ما يضمر (فإذا أظهر ذلك) على لسانه (وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه)؛ لأنه بإظهار ذلك لا يفوت الإيمان حقيقة لقيام التصديق، وفي الامتناع فوت النفس حقيقة، فيسعه الميل إلى إظهار ما طلبوه (وإن صبر) على ذلك (حتى قتلوه ولم يظهر الكفر كان مأجوراً) لأن الامتناع لإعزاز الدين عزيمة.
(وإن أكره على إتلاف مال) امرئ (مسلم بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه، وسعه أن يفعل ذلك)، لأن مال الغير يستباح للضرورة، كما في حالة المخمصة، وقد تحققت الضرورة (ولصاحب المال أن يضمن المكره) بالكسر، لأن المكره بالفتح كالآلة.
(وإن أكره بقتل على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه، ويصبر حتى يقتل، فإن قتله كان آثما)؛ لأن قتل المسلم مما لا يستباح لضرورة ما فكذا بهذه الضرورة، هداية (و) لكن (القصاص على الذي أكرهه إن كان القتل عمدا) قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال زفر: يجب على المكره، وقال أبو يوسف: لا يجب عليهما.
قال الإسبيجاني: والصحيح قول أبي حنيفة، ومشى عليه الأئمة كما هو الرسم، تصحيح.
(وإن أكرهه على طلاق امرأته) أو نكاح امرأة (أو عتق عبده ففعل وقع ما أكره عليه) لأنها تصح مع الإكراه كما تصح مع الهزل، كما مر في الطلاق (ويرجع) المكره (على الذي أكرهه بقيمة العبد) في الإعتاق؛ لأنه صلح آلة له فيه من حيث الإتلاف، فيضاف إليه (في نسخة "فلا يضاف إليه" ومن الممكن تصحيح كلتا النسختين، فتأمل). فله أن يضمنه موسراً كان أو معسراً لكونه ضمان إتلاف كما مر، ولا يرجع الحامل على العبد بالضمان، لأنه مؤاخذ بإتلافه، درر.