اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٥٠٥
وشرطه: قدرة المكره على إيقاع ما هدد به، وخوف المكره، وامتناعه عنه قبله كما أشار إليه بقوله (الإكراه يثبت حكمه) أي الآتي (إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما توعد به سلطاناً كان أو لصا) أو نحوه، إذا تحقق منه القدرة، لأنه إذا كان بهذه الصفة لم يقدر المكره على الامتناع، وهذا عندهما، وعند أبي حنيفة لا يتحقق إلا من السلطان؛ لأن القدرة [بهذه الصفة] لا تكون بلا منعة، والمنعة للسلطان؛ قالوا: هذا اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان؛ لأن في زمانه لم يكن لغير السلطان من القوة ما يتحقق به الإكراه، فأجاب بناء على ما شاهد، وفي زمانهما ظهر الفساد وصار الأمر إلى كل متغلب، فيتحقق الإكراه من الكل، والفتوى على قولهما، درر عن الخلاصة.
(وإذا أكره الرجل على بيع ماله، أو) أكره (على شراء سلعة، أو على أن يقر لرجل بألف) من الدراهم مثلا (أو يؤاجر داره، وأكره على ذلك بالقتل، أو بالضرب الشديد، أو بالحبس المديد، فباع أو اشترى) خشية من ذلك (فهو بالخيار: إن شاء أمضى البيع، وإن شاء فسخه) ورجع بالمبيع؛ لأن من شرط صحة هذه العقود التراضي، والإكراه يعدم الرضا فيفسدها، بخلاف ما إذا أكره بضرب سوطٍ، أو حبس يوم، أو قيد يوم؛ لأنه لا يبالي به بالنظر إلى العادة، فلا يتحقق به الإكراه، إلا إذا كان الرجل صاحب منصب يعلم أنه يستضر به لفوات الرضا، هداية.
(وإن كان قبض الثمن طوعاً فقد أجاز البيع)، لأنه دلالة الإجازة كما في البيع الموقوف، وكما إذا سلم طائعاً بأن كان الإكراه على البيع، لا على الدفع؛ لأنه دليل الإجازة (الضمير في "لأنه" يعود إلى التسليم مع الطواعية)، هداية.
(وإن كان قبضه مكرها فليس بإجازة) لعدم الرضا (وعليه رده إن كان قائماً في يده) لفساد العقد (وإن) كان قد (هلك المبيع في يد المشتري، وهو) أي المشتري (غير مكره) والبائع مكره (ضمن) المشتري (قيمته) للبائع؛ لتلف مال الغير في يده من غير عقد صحيح، فتلزمه القيمة.
قيد بكونه المشتري غير مكره لأنه إذا كان مكرهاً أيضاً يكون الضمان على المكره دونه.
(وللمكره) بالبناء المجهول (أن يضمن المكره) بالبناء للمعلوم (وإن شاء) لأنه آلة للاكراه فيما يرجع للاتلاف، فكأنه دفعه بنفسه إلى المشتري، فيكون مخيرا في تضمين أيهما شاء، كالغاصب وغاصب الغاصب، فلو ضمن المكره رجع على المشتري بالقيمة، وإن ضمن المشتري نفذ كل شراء كان بعد شرائه لو تناسخته العقود؛ لأنه تملكه بالضمان، فظهر أنه باع ملكه، ولا ينفذ ما كان قبله؛ لأن الاسناد إلى وقت قبضه، بخلاف ما إذا أجاز المالك المكره عقدا منها حيث يجوز ما قبله وما بعده؛ لأنه أسقط حقه وهو المانع، فعاد الكل إلى الجواز، هداية.