اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٥٠٤
ومن أكره على أن يأكل الميتة أو يشرب الخمر - وأكره على ذلك بحبس، أو ضرب، أو قيدٍ - لم يحل له، إلا أن يكره بما يخاف منه على نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه، ولا يسعه أن يصبر على ما توعد به، فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل فهو آثمٌ.
وإن أكره على الكفر باللّه عز وجل، أو سب النبي عليه الصلاة والسلام: بقيدٍ، أو حبسٍ، أو ضربٍ، لم يكن ذلك إكراهاً حتى يكره بأمرٍ يخاف منه على نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يظهر ما أمروه به، ويورى، فإذا أظهر ذلك وقلبه مطمئنٌ بالإيمان فلا إثم عليه، وإن صبر حتى قتل ولم يظهر الكفر كان مأجوراً.
وإن أكره على إتلاف مال مسلمٍ بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه وسعه أن يفعل ذلك، ولصاحب المال أن يضمن المكره.
وإن أكره بقتلٍ على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه، ويصبر حتى يقتل، فإن قتله كان آثماً، والقصاص على الذي أكرهه إن كان القتل عمداً.
وإن أكرهه على طلاق امرأته، أو عتق عبده ففعل، وقع ما أكره عليه، ويرجع على الذي أكرهه بقيمة العبد،
وبنصف مهر المرأة إن كان الطلاق قبل الدخول.
وإن أكرهه على الزنا وجب عليه الحد عند أبي حنيفة، إلا أن يكرهه السلطان، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يلزمه الحد.
وإذا أكرهه على الردة لم تبن امرأته منه.
------------------------
كتاب الإكراه
مناسبته للقسمة أن للقاضي إجبار الممتنع فيهما.
وهو لغة: حمل الإنسان على أمرٍ يكرهه، وشرعا: حمل الغير على فعل بما يعدم رضاه دون اختياره، لكنه قد يفسده، وقد لا يفسده.
قال في التنقيح: وهو إما ملجئ: بأن يكون بفوت النفس أو العضو، وهذا معدم للرضا مفسد للاختيار، وإما غير ملجئ: بأن يكون بحبس أو قيد أو ضرب، وهذا معدم للرضا غير مفسد للاختيار.
والحاصل كما في الدرر: أن عدم الرضا معتبر في جميع صور الإكراه، وأصل الاختيار ثابت في جميع صوره، ولكن في بعض الصور يفسد الاختيار، وفي بعضها لا يفسده.