اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٩٨
(وإذا كان كل واحد من الشركاء ينتفع بنصيبه) بعد القسمة (قسم بطلب أحدهم)؛ لأن في القسمة تكميل المنفعة؛ فكانت حقاً لازماً فيما يقبلها بعد طلب أحدهم (وإن كان أحدهم ينتفع) بالقسمة، لكثرة نصيبه (والآخر يستضر لقلة نصيبه، فإن طلب صاحب الكثير قسم) له؛ لأنه ينتفع بنصيبه، فاعتبر طلبه؛ لأن الحق لا يبطل بتضرر الغير. (وإن طلب صاحب القليل لم يقسم) له؛ لأنه يستضر فكان متعنتاً في طلبه، فلم يعتبر طلبه، قال في التصحيح: وذكر الخصاف على قلب هذا، وذكر الحاكم في مختصره أن أيهما طلب القسمة يقسم القاضي، قال في الهداية وشرح الزاهدي: إن الأصح ما ذكر في الكتاب، وعليه مشى الإمام البرهاني، والنسفي، وصدر الشريعة، وغيرهم، اهـ (وإن كان كل واحد منهما يستضر) لقلته (لم يقسمها) القاضي (إلا بتراضيهما)، لأن الجبر على القسمة لتكميل المنفعة، وفي هذا تفويتها، ويجوز بتراضيهما، لأن الحق لهما، وهما أعرف بشأنهما.
(ويقسم العروض) جمع عرض - كفلس - خلاف العقار (إذا كانت من صنف واحد) لاتحاد المقاصد فيحصل التعديل في القسمة والتكميل في المنفعة، (ولا يقسم الجنسان بعضهما في بعض)، لأنه لا اختلاط بين الجنسين، فلا تقع القسمة تمييزا، بل تقع معاوضة، وسبيلها التراضي دون جبر القاضي. (وقال أبو حنيفة: لا يقسم الرقيق ولا الجوهر لتفاوته)، لأن التفاوت في الآدمي فاحش، لتفاوت المعاني الباطنة، فكان كالجنس المختلف، بخلاف الحيوانات، لأن التفاوت فيها يقل عند اتحاد الجنس، وتفاوت الجواهر أفحش من تفاوت الرقيق (وقال أبو يوسف ومحمد: يقسم الرقيق) لاتحاد الجنس كما في الإبل والغنم، قال في الهداية: وأما الجواهر فقد قيل: إذا اختلف الجنس لا يقسم كما في اللآلئ واليواقيت، وقيل: لا يقسم الكبار منها لكثرة التفاوت، ويقسم الصغار لقلة التفاوت، وقيل: يجري الجوب على إطلاقه، لأن جهالة الجواهر أفحش من جهالة الرقيق، ألا ترى أنه لو تزوج على لؤلؤة، أو ياقوته، أو خالع عليهما لا تصح التسمية ويصح ذلك على عبد، فأولى أن لا يجبر على القسمة، اهـ. قال الإمام بهاء الدين في شرحه: الصحيح قول أبي حنيفة، واعتمده المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم، كذا في التصحيح.
(ولا يقسم حمام، ولا بئر، ولا رحى) ولا كل ما في قسمه ضرر لهم، كالحائط بين الدارين والكتب، لأنه يشتمل على الضرر في الطرفين، لأنه لا يبقى كل نصيب منتفعاً به انتفاعا مقصوداً، فلا يقسمه القاضي، بخلاف التراضي كما مر، ولذا قال: (إلا أن يتراضى الشركاء)، لالتزامهم الضرر، وهذا إذا كانوا ممن يصح التزامهم، وإلا فلا.
(وإذا حضر وارثان وأقاما البينة على الوفاة وعدد الورثة، والدار) أو العروض بالأولى (في أيديهما، ومعهما وارث غائب) أو صغير (قسمها القاضي بطلب الحاضرين، وينصب للغائب وكيلا) وللصغير وصيا (يقبض نصيبه)، لأن في ذلك نظراً للغائب والصغير، ولابد من إقامة البينة على أصل الميراث في هذه الصورة عند أبي حنيفة أيضاً، لأن في هذه القسمة قضاء على الغائب والصغير بقولهم، خلافا لهما.