اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٩٦
فإن ادعي أحدهما الغلط، وزعم أن مما أصابه شيئاً في يد صاحبه، وقد أشهد على نفسه بالاستيفاء، لم يصدق على ذلك إلا ببينةٍ.
وإن قال "استوفيت حقي" ثم قال "أخذت بعضه" فالقول قول خصمه مع يمينه.
وإن قال "أصابني إلى موضع كذا فلم تسلمه إلي "ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء، وكذبه شريكه تحالفا، وفسخت القسمة؛
وإن استحق بعض نصيب أحدهما بعينه لم تفسخ القسمة عند أبي حنيفة ورجع بحصة ذلك من نصيب شريكه، وقال أبو يوسف: تفسخ القسمة.
------------------------
كتاب القسمة
لا تخفى مناسبتها للقضاء، لأنها بالقضاء أكثر من الرضا.
وهي لغةً: اسم للاقتسام. وشرعاً: جمع نصيب شائع في مكان مخصوص.
وسببها: طلب الشركاء أو بعضهم للانتفاع بملكه على وجه الخصوص. وشرطها: عدم فوت المنفعة بالقسمة.
ثم هي لا تعرى عن معنى المبادلة، لأن ما يجتمع لأحدهما بعضه كان له، وبعضه كان لصاحبه، فهو يأخذ عوضاً عما يبقى من حقه في نصيب صاحبه، فكان مبادلة من وجه، وإفرازاً من وجه. والإفراز هو الظاهر في المكيلات والموزونات لعدم التفاوت، حتى كان لأحدهما أن يأخذ نصيبه حال غيبة صاحبه، والمبادلة هي الظاهر في غيره للتفاوت، حتى لا يكون لأحدهما أخذ نصيبه عند غيبة صاحبه، إلا أنه إذا كانت من جنس واحد، أجبره القاضي على القسمة عند طلب أحدهم، لأن فيه معنى الإفراز لتقارب المقاصد، والمبادلة مما يجري فيه الجبر كما في قضاء الدين، وإن كانت أجناساً مختلفة لا يجبر القاضي على قسمتها، لتعذر المعادلة باعتبار فحش التفاوت في المقاصد، ولو تراضوا عليها جاز، لأن الحق لهم، وتمامه في الهداية.
(ينبغي للإمام أن ينصب قاسماً يرزقه من بيت المال ليقسم بين الناس بغير أجرة)، لأن القسمة من جنس عمل القضاء، من حيث إنه يتم به قطع المنازعة، فأشبه رزق القاضي (فإن لم يفعل نصب قاسما يقسم بالأجرة) من مال المتقاسمين؛ لأن النفع لهم، وهي ليست بقضاء حقيقة، فجاز له أخذ الأجرة عليها، وإن لم يجز على القضاء كما في الدر عن أخي زاده، قال في الهداية: والأفضل أن يرزقه من بيت المال، لأنه أرفق بالناس وأبعد عن التهمة، اهـ.
(ويجب أن يكون) المنصوب للقسمة (عدلا)، لأنها من جنس عمل القضاء (مأموناً) ليعتمد على قوله (عالماً بالقسمة) ليقدر عليها، لأن من لا يعلمها لا يقدر عليها.