اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٨٩
(ولا تصح ولاية القاضي حتى يجتمع في المولى) بفتح اللام - اسم مفعول، وعدل عن الضمير إلى الظاهر ليكون فيه دلالة على تولية غيره له بدون طلبه، وهو الأولى للقاضي كما في الكفاية (شرائط الشهادة) لأن حكم القضاء يستقي من حكم الشهادة، لأن كل واحد منهما من باب الولاية، فكل من كان أهلا للشهادة يكون أهلا للقضاء، وما يشترط لأهلية الشهادة يشترط لأهلية القضاء، والفاسق أهل للقضاء حتى لو قلد يصح، إلا أنه ينبغي أن يقلد كما في حكم الشهادة، فإنه لا ينبغي للقاضي أن يقبل شهادته، ولو قبل جاز عندنا، ولو كان عدلا ففسق بأخذ الرشوة أو غيرها لا ينعزل ويستحق العزل، وهذا هو ظاهر المذهب، وعليه مشايخنا، وقال بعض المشايخ: إذا قلد الفاسق ابتداء يصح، ولو قلد وهو عدل ينعزل بالفسق؛ لأن المقلد اعتمد عدالته فلم يكن راضيا بتقليده دونها، هداية.
(ويكون) بالنصب - عطفاً على "يجتمع" (من أهل الاجتهاد) قال في الهداية: والصحيح أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية، فأما تقليد الجاهل فصحيح عندنا، لأنه يمكنه أن يقضي بفتوى غيره، ومقصود القضاء يحصل به وهو إيصال الحق إلى مستحقه، ولكن ينبغي للمقلد أن يختار من هو الأقدر والأولى، لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (من قلد إنساناً عملا وفي رعيته من هو أولى منه فقد خان اللّه ورسوله وجماعة المسلمين) وفي حد الاجتهاد كلام عرف في أصول الفقه.
وحاصله: أن يكون صاحب حديث له معرفة بالفقه، ليعرف معاني الآثار، أو صاحب فقه له معرفة بالحديث، لئلا يشتغل بالقياس في المنصوص عليه، وقيل: أن يكون مع ذلك صاحب قريحة يعرف بها عادات الناس، لأن من الأحكام ما يبتنى عليها، اهـ.
(ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه) أي يعلم من نفسه (أنه يؤدي فرضه) وهو الحكم على قاعدة الشرع، قال في الجوهرة: وقد دخل فيه قوم صالحون، واجتنبه قوم صالحون، وترك الدخول فيه أحوط وأسلم للدين والدنيا؛ لما فيه من الخطر العظيم والأمر المخوف.
(ويكره الدخول فيه لمن خاف العجز عنه) أي عن القيام به على الوجه المشروع (ولا يأمن على نفسه الحيف فيه) أي الظلم، قال في الهداية: وكره بعضهم الدخول فيه مختارا؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين)، والصحيح أن الدخول فيه رخصة طمعاً في إقامة العدل، والترك عزيمة، فلعله يخطئ ظنه فلا يوفق له، أو لا يعينه غيره، ولابد من الإعانة، إلا إذا كان هو الأهل للقضاء دون غيره، فحينئذ يفترض عليه التقلد، صيانة لحقوق العباد، وإخلاء للعالم عن الفساد، اهـ.
(ولا ينبغي) للإنسان (أن يطلب الولاية) بقلبه (ولا يسألها) بلسانه،
لقوله صلى اللّه عليه وسلم : (من طلب القضاء وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه نزل عليه ملكٌ يسدده).
ثم يجوز التقليد من السلطان العادل والجائر ولو كان كافراً كما في الدر عن مسكين وغيره، إلا إذا كان لا يمكنه من القضاء بالحق؛ لأن المقصود لا يحصل بالتقليد].