اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٨٢
(ولا يسمع القاضي الشهادة على جرح) الشهود، بأن ادعى المدعى عليه أن شهود المدعي فسقة أو مستأجرون وأقام بينة على ذلك، فإن القاضي لا يلتفت إليها (ولا يحكم بذلك) ولكن يسأل عنهم سراً وعلانية، فإن ثبتت عدالتهم قبلت شهادتهم، وإلا لا.
(ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه)؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة، وذلك بالعلم، ولم يحصل (إلا النسب، والموت، والنكاح، والدخول، وولاية القاضي؛ فإنه يسعه أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها من يثق به) استحساناً؛ لأن هذه الأمور يختص بمعاينة أسبابها الخواص من الناس، ويتعلق بها أحكام تبقى على انقضاء القرون والأعوام، فلو لم يقبل فيها الشهادة بالتسامع لأدى إلى الحرج وتعطيل الأحكام، قال في الهداية: وإنما يجوز للشاهد أن يشهد بالاشتهار، وذلك بالتواتر أو إخبار من يثق به، كما قال في الكتاب. ويشترط أن يخبره رجلان عدلان، أو رجل وامرأتان، ليحصل له نوع من العلم، وقيل في الموت: يكتفي بإخبار واحد أو واحدة، لأنه قل ما يشاهد حاله غير الواحد.
ثم قال: وينبغي أن يطلق أداء الشهادة، أما إذا فسر للقاضي أنه يشهد بالتسامع لم تقبل شهادته، كما أن معاينة اليد في الأملاك تطلق فيه الشهادة ثم إذا فسر لا تقبل كذا هذا، ثم قصر الاستثناء في الكتاب على هذه الأشياء ينفي اعتبار التسامع في الولاء والوقف، وعن أبي يوسف آخرا أنه يجوز في الولاء، لأنه بمنزلة النسب، وعن محمد يجوز في الوقف؛ لأنه يبقى على مر الأعصار، إلا أنا نقول: الولاء يبتنى على زوال الملك، ولابد فيه من المعاينة، فكذا فيما يبتنى عليه، وأما الوقف فالصحيح أنه تقبل الشهادة بالتسامع في أصله دون شرائطه؛ لأن أصله هو الذي يشتهر، اهـ.
(والشهادة على الشهادة جائزة في كل حق لا يسقط بالشبهة) قال في الهداية: وهذا استحسان؛ لشدة الحاجة إليها؛ إذ شاهد الأصل قد يعجز عن أداء الشهادة لبعض العوارض، فلو لم تجز الشهادة على شهادته أدى إلى تواء الحقوق، ولهذا جوزنا الشهادة على الشهادة وإن كثرت، إلا أن فيها شبهة من حيث البدلية، أو من حيث إن فيها زيادة احتمال، وقد أمكن الاحتراز عنه بجنس الشهود (و) لذا (لا تقبل في الحدود والقصاص) لأنها تسقط بالشبهة.
(وتجوز شهادة شاهدين) أو رجل وامرأتين (على شهادة شاهدين)؛ لأن نقل الشهادة من جملة الحقوق، وقد شهدا بحق، ثم بحق آخر، فتقبل؛ لأن شهادة الشهادتين على حقفين جائزة (ولا تقبل شهادة واحد على شهادة واحد)؛ لأن شهادة الفرد لا تثبت الحق.